قال المنصور يوما لعبد الله بن عياش المنتوف: قد بغّضت إليّ صورتك عشرتك، وحلفت بالله لئن نتفت شعرة من لحيتك لأقطعنّ يدك. فأعفاها حتى اتّصلت، فكان عنده يوما وحدّثه بأحاديث استحسنها، فقال له: سل حاجتك.
فقال: نعم يا أمير المؤمنين، تقطعني لحيتي أعمل بها ما أريد. فضحك المنصور وقال له: قد فعلت.
خطب باقلّانيّ إلى قوم وذكر أنّ الشعبيّ يعرفه فسألوه عنه فقال: إنه لعظيم الرماد كثير الغاشية.
حكي أنّ أبا عمر القاضي كان يسير مع بعض العدول في صحراء، فسمعا صوت الرّباب من يد حاذق، فقال العدل: ما أحسن هذا الضرب! فقال أبو عمر: الضرب، الضرب، كأنه ينكر هذا هو السحر، فقال العدل: القاضي أعزّه الله أحدق منّي بالصّناعة.
قيل: إنه لم يعرف لعلي بن عيسى الوزير مزح قط، ولا سقطة في اللفظ إلا اليسير، فمن ذلك أنه قطع أرزاق الصفاعنة، فاجتمعوا ووقفوا على طريقه، فلما قرب منهم وضعوا عمائمهم، وصفع بعضهم بعضا صفعا عظيما. فقال:
نطلق لهم أرزاقهم فإن عملهم صعب.
ومن ذلك أن غلاما من أولاد الحجريّة توفي أبوه، فأسقط رزقه، فاستعان على الوزير بأبي بكر بن مجاهد، وكان قريبا من قلبه وسأله مسألة الوزير فيه، فكتب له أبو بكر رقعة، فيها أنه من أولاد الحجرية، وأن من حاله كيت وكيت وأنه يصلح، فلما قرأها علي بن عيسى كتب بعد «يصلح» : لحمل السلاح، ثم وقع فيها بردّ أرزاق أبيه عليه.
جاز الأعمش يوما بابن له صغير وهو عريان، يلعب في الطين مع الصبيان فلم يثبته، فقال لبعض من كانوا معه: انظر إلى هذا، ما أقذره من صبيّ وأطفسه! ويجوز أن يكون أبوه أقذر منه. فقال له صاحبه: هذا ابنك محمد.
ففتح عينيه ومسحهما، ونظر إليه وتأمّله، ثم قال: انظروا إليه بحقّ الله عليكم، كيف يتقلّب في الطين كأنه شبل؟ عين الله عليه.
قيل للأعمش: ما تصنع عند مظهر أخي يقطين؟ قال: آتيه كما آتي الحشّ! إذا كانت بي إليه حاجة.