فهرس الكتاب

الصفحة 340 من 1777

وقال في خطبة له في الرّدة: والله لا نبرح نقوم بأمر الله، ونجاهد في سبيل الله حتى ينجز لنا وعده، ويفي لنا بعهده، فيقتل من يقتل منّا شهيدا من أهل الجنّة، ويبقى من بقي منا خليفة لله في أرضه. وعد الصّدق لا خلف له، قال الله عزّ وجلّ: {وَعَدَ اللََّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصََّالِحََاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى ََ لَهُمْ} [النور: الآية

55]. فانهضوا عباد الله إلى ما دعاكم الله إليه من غنيمته، وسارعوا إلى ما وعدكم من جنّته وأستغفر الله لي ولكم.

وأوصى خالد بن الوليد حين خروجه إلى اليمامة فقال: يا خالد، إنك تخرج مجاهدا، دينك ودنياك بين عينيك، وقد وهبت نفسك لله عزّ وجلّ، ثم أعطاك عليها فربحت تجارتك ببياعتك، فسر إلى عدوّ الله على بركة الله، واعلم أن خير الأمرين لك أبغضهما إليك.

وقال لعكرمة حين وجّهه إلى عمان: سر على بركة الله، ولا تنزلنّ على مستأمن، ولا تؤمننّ على حق مسلم. وقدم النّذر بين يديك. ومهما قلت إني فاعل فافعل، ولا تجعل قولك لغوا في عفو ولا عقوبة، فلا ترجى إذا أمّنت، ولا تخاف إذا خوّفت، ولكن انظر متى تقول وما تقول، ولا تعذّب على معصية بأكثر من عقوبتها، فإنّك إن فعلت أثمت، وإن تركت كذبت، ولا تؤمّنن شريفا دون أن يكفل بأهله، ولا تكلّفنّ ضعيفا أكثر من نفسه، واتق الله إذا لقيت، وإذا لقيت فاصبر.

وقال أبو بكر رضي الله عنه: من أوتي القرآن فرأى أن أحدا أوتي أكثر مما أوتي فقد صغّر عظيما. يقول الله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ آتَيْنََاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثََانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} (87) [الحجر: الآية 87] .

وقال لما احتضر لعمر: يا عمر، إنّ لله حقّا بالليل لا يقبله إلا بالليل، وإن الله لا يقبل نافلة حتى تؤدّى فريضته، فكن مؤمنا راغبا راهبا، فلا ترغبنّ رغبة تمنّى على الله عزّ وجلّ فيها ما ليس لك، ولا ترهبنّ رهبة تلقى بها بيديك إلى التّهلكة.

ثم قال: إن أول ما أحذّرك نفسك وهؤلاء الرهط من المهاجرين، فإنهم قد انتفخت أوداجهم وطمحت أبصارهم، وتمنّى كل امرىء منهم لنفسه. وإن لهم نحيرة ينحرونها عن زلّة منه ومنهم، فلا تكوننّه، فإنهم لن يزالوا فرقين منك ما فرقت من الله عزّ وجلّ فيما بيّن لك.

وروي أنه قال: إني مستخلفك من بعدي، وموصيك بتقوى الله، فإن الله عملا بالليل لا يقبله بالنهار، وعملا بالنهار لا يقبله بالليل، وإنه لا يقبل نافلة

حتى تؤدّى فريضته، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحقّ في الدنيا، وثقله عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحقّ أن يكون ثقيلا، وإنما خفّت موازين من خفّت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الباطل، وخفّته عليهم، وحقّ لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفا. إنّ الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئاتهم، فإذا ذكرتهم أقول: إني لأرجو أن أكون من هؤلاء، وذكر أهل النار فذكرهم بأسوإ أعمالهم ولم يذكر حسناتهم، فإذا ذكرتهم قلت: إني لأخاف أن أكون من هؤلاء. وذكر الرحمة مع آية العدل ليكون العبد راغبا راهبا لا يتمنّى على الله عزّ وجلّ غير الحقّ، ولا يلقي بيده إلى التّهلكة. فإن حفظت وصيّتي فلا يكوننّ غائب أحبّ إليك من الموت، وهو آتيك، وإن أضعت وصيتي فلا يكوننّ غائب أبغض إليك من الموت، ولست بمعجز الله عزّ وجلّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت