ومات عبد الصمد في سنّ خمس وثمانين ومائة، وبين ذلك وبين استتارة مائة وعشرون سنة وقيل هو أول من سمي عبد الصّمد.
قال الجاحظ: لما أتى عبد الملك بن صالح وفد الروم وهو في البلاد أقام على رأسه رجالا في السّماطين لهم قصر وهام، ومناكب وأجسام، وشوارب وشعور، فبينما هم قيام يكلّمونه، ووجه رجل منهم في قفا البطريق إذ عطس عطسة ضئيلة فلحظه عبد الملك فلم يدر أيّ شيء أنكر عليه، فلما خرج الوفد قال له: ويلك. هلا إذ كنت ضيق المنخر كزّ الخيشوم أتبعتها بصيحة تخلع بها قلب العلج.
وقال: ما الناس إلى شيء أحوج منهم إلى إقامة ألسنتهم التي بها يتعارفون الكلام، ويتعاطون البيان، ويتهادون الحكم، ويستخرجون غوامض العلم من مخابئها، ويجمعون منها. إن الكلام قاض يحكم بين الخصوم، وضياء يجلو الظّلم. حاجة الناس إلى موادّه كحاجتهم إلى موادّ الأغذية.
وقال الجاحظ: حدّثني إبراهيم بن السندي، قال: سمعت عبد الملك يقول بعد إخراج المخلوع له من حبس الرشيد وذكر ظلم الرشيد له، وإقدامه عليه. وكان يأنس به، ويثبق بمودّته وعقله. والله إنّ الملك لشيء ما نويته ولا تمنّيته ولا تصدّيت إليه ولا تبعته. ولو أردته لكان أسرع إليّ من السيل إلى الحدور، ومن النّار في يابس العرفج وإني لمأخوذ بما لم أجن، ومسؤول عمّا لا أعرف، ولكن حين رآني للملك أهلا، ورأى للخلافة خطرا وثمنا، ورأى أن لي يدا تنالها إذا مدّت وتبلغها إذا بسطت، ونفسا تكمل لها بخصالها وتستحقّها بخلالها، وإن كنت لم أختر تلك الخصال، ولا اصطنعت تلك الخلال، ولم أرشّح لها في سرّ، ولا أشرت إليها في جهر، ورآها تحنّ إليّ حنين الواله، وتميل نحوي ميل الهلوك. وخاف أن ترغب إلى خير مرغب. وتنزع إلى أحصن منزع، عاقبني عقاب من قد سهر في طلبها، ونصب في التماسها وتقدّر لها بجهده، وتهيّأ لها بكل حيله. فإن كان إنّما حبسني على أنّي أصلح لها وتصلح لي، وأليق بها وتليق بي، فليس ذلك بذنب فأتوب منه، ولا تطاولت له فأحطّ نفسي عنه. فإن زعم أنه لا صرف لعقابه، ولا نجاة من أعطابه إلّا بأن أخرج له من الحلم والعلم، ومن الحزم والعزم، فكما لا يستطيع المضياع أن
يكون حافظا كذلك العاقل لا يستطيع أن يكون جاهلا. وسواء عاقبني على عقلي وعلمي أم على نسبي وسبي، وسواء عاقبني على خلالي أو على طاعة الناس لي. ولو أردتها لأعجلته عن التفكّر، ولشغلته عن التّدبر، ولما كان فيه من الخطار إلّا اليسير، ومن بذل الجهد إلا القليل.