فهرس الكتاب

الصفحة 317 من 1777

خصّك الله يا أخي بالتنبّه على حظّك، وأقبل بك إلى رشدك، وأنقذك من شرّ هوى نفسك. إني لما نأت عني دارك، وانقطعت أخبارك استهديت ممّن يراعي أمورك ما انطوى عنّي من تصرّفك في أحوالك، لأن نفسي لم تزل موكلة بالشفقة عليك، والمراعاة لأمورك. فأتاني عنك أنك سمحت بنفسك وجليل قدرك، ونبيه ذكرك، وعالي شرفك وما ورثته من دينك ومروءتك عن سفلك، في طاعة هواك، وأنك وهبت كلّك لمن لم يهب بعضه لك، وآثرت لذة امتزج ظاهرها بموافقتك وكمنت في عواقبها المكاره لك. فليتك إذ طغت نفسك، ولم تجنح ما يزينك أغليت السّوم بنفسك، وصرفتها إلى من يستحقّك. ولئن كنت رأيت ما بذلته من نفسك وافيا بقيمة من سمحت به له، لقد رأيت نفسك بعين غير صادقة التّخيّل، وقوّمتها بقيمة مبخوسة القدر، فليت شعري من أين أتاك سوء الاختيار؟ أمن طاعتك التصابي؟ أم من قبولك مشورة وسيط. فلعمري إنه لضدّ الناصح الأمين. أم أحدثت لك هذا الرأي سورة الشّراب، وارتياح الطّرب، والإصغاء إلى اقتران غزل الشّعر بنغم الأوتار، وامتزاج رقيق المعاني بسحر الأغاني؟ فلقد حكمت غير العدل، وآثرت غير المستحق للأثرة. وهلّا فكّرت في أنك قد ملّكت قيادك قينة أنت بالتّهمة لها أولى من الثّقة بها. ولم حملتها على الشاذّ من وفاء القيان؟ ولم تتحرّز فيها من مشهور غدرهنّ. أما والله لئن راجعت رأيك، وتدبّرت مشورتي عليك لتعلمنّ أني لك أنصح من نفسك ومن نضحائك، ولئن أقمت على تماديك إن المصيبة بك لعظيمة مع

عظم قدرك في أنفسنا، وسعة آمالنا لك وبك وفيك. والله يوفّقك لما هو أولى بك وأشبه بقدرك والسلام.

فلما وصلت إلى جعفر هذه الرسالة أقامته وأقعدته. ولم يقدر على إجابة عبد الملك بشيء، وكان بينهما خصوص ولصوق شديد فباعها.

أمر المهديّ عبد الصمد بن علي أن يقسم في أهل مكة مائة ألف درهم، فحواها ولم يعطهم شيئا. فلما عزل وخرج صرخوا به: {أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسََارِقُونَ} [يوسف: الآية 70] . فقال يا أولاد الزنا. ماذا تفقدون؟ قالوا: مائة ألف درهم أمرك أمير المؤمنين بقسمتها في أهل مكة. فقال أنا البطحاء وأنا مكة وأنا زمزم، فإذا قسمتها في داري فقد قسمتها في أهل مكة.

ولعبد الصمد عجائب منها: أن أسنانه كانت قطعة واحدة، ودخل قبره بأسنانه التي ولد بها لم ينبت له سنّ ولم يثّغر.

ومنها أنه حجّ بالناس في سنة سبعين ومائة. وحجّ يزيد بن معاوية بهم سنة خمسين وبينهما مائة وعشرون سنة، وهما في القعدد سواء في النسب إلى عبد مناف.

ومنها أنه دخل سربا فطارت ريشتان فلصقتا بعينيه، فذهب بصره.

ومنها أنه كان يوما عند الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين، هذا مجلس فيه عمّك، وعمّ عمك وعمّ عمّ عمّك، يعني سليمان بن أبي جعفر عم الرشيد، والعباس بن محمد عمّ المهدي وهو عم سليمان، وعبد الصمد وهو عم العباس وعم المنصور.

قيل: إن أم عبد الصمد هي كثيرة التي قال فيها ابن الرقيات: [المنسرح]

عادله من كثيرة الطرب

وكان مستترا عندها في أول خلافة عبد الملك وأحسنت إليه ويجب أن تكون ذلك الوقت امرأة برزة.

ومات عبد الصمد في سنّ خمس وثمانين ومائة، وبين ذلك وبين استتارة مائة وعشرون سنة وقيل هو أول من سمي عبد الصّمد.

قال الجاحظ: لما أتى عبد الملك بن صالح وفد الروم وهو في البلاد أقام على رأسه رجالا في السّماطين لهم قصر وهام، ومناكب وأجسام، وشوارب وشعور، فبينما هم قيام يكلّمونه، ووجه رجل منهم في قفا البطريق إذ عطس عطسة ضئيلة فلحظه عبد الملك فلم يدر أيّ شيء أنكر عليه، فلما خرج الوفد قال له: ويلك. هلا إذ كنت ضيق المنخر كزّ الخيشوم أتبعتها بصيحة تخلع بها قلب العلج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت