قال العباس بن محمد بن علي للرشيد: يا أمير المؤمنين. إنما هو سيفك ودرهمك، فازرع بهذا من شكرك، واحصد بهذا من كفرك.
ولما ضرب عبد الله بن علي أعناق بني أمية قال قائل: هذا والله جهد البلاء. فقال عبد الله: ما هذا وشرطة الحجّام إلا سواء. إنما جهد البلاء فقر مدقع بعد غنى موسّع.
وقال محمد بن علي: كفاك من علم الدين أن تعرف ما لا يسع جهله، وكفاك من علم الأدب أن تروي الشاهد والمثل.
كتب المنصور إلى صالح بن علي أن يطلب بشر بن عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك ويقتله. فأتي به إلى صالح، فقال له: قد كان لأبي خالد عندنا بلاء يشكر. قال بشر: فلينفعني ذلك عندك. قال: أمّا مع كتاب أمير المؤمنين فلا بدّ من قتلك. ولكني أقدّم السّاعي بك، فأضرب عنقه بين يديك، وأعطي الذي اشتمل عليك ألف دينار ففعل ذلك ثم قتله.
أوصى العباس بن محمد معلم ولده فقال: إنّي قد كفيتك أعراقهم فاكفني آدابهم. اعذهم بالحكمة فإنّها ربيع القلوب، وعلّمهم النّسب والخبر فإنه أفضل علم الملوك، وابدأهم بكتاب الله فإنه قد خصّهم ذكره، وعمهم رشده، وكفى بالمرء جهلا أن يجهل فضلا عنه أخذ. وخذهم بالإعراب فإنه مدرجة البيان، وفقّههم في الحلال والحرام فإنه حارس من أن يظلموا، ومانع من أن يظلموا.
كان داود بن علي يقول: المعرفة شكر، والحمد نعمة يجب فيها الشكر.
وخطب سليمان بن علي فقال: {وَلَقَدْ كَتَبْنََا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهََا عِبََادِيَ الصََّالِحُونَ (105) } [الأنبياء: الآية 105] . قضاء فصل، وقول مبرم، فالحمد لله الذي صدق عبده، وأنجز وعده، وبعدا للقوم الظالمين الذين اتّخذوا الكعبة غرضا، والدّين هزوا، والفيء إرثا، والقرآن عضين، لقد حاق بهم ما كانوا يستهزئون وكأيّن ترى من بئر معطّلة وقصر مشيد، بما قدّمت أيديهم، وما الله بظلّام للعبيد. أمهلهم حتى اضطهدوا العترة، ونبذوا السّنة، {وَخََابَ كُلُّ جَبََّارٍ عَنِيدٍ} [إبراهيم: الآية 15] ثم أخذهم ف {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} [مريم: الآية 98] .
وكان أبوهم علي بن عبد الله بن العباس سيدا شريفا بليغا، وكان يقال إن له خمسمائة أصل زيتون، يصلّي في كلّ يوم إلى كل أصل منها ركعتين، فكان يدعى ذا الثّفنات، وكان عبد الملك بن مروان يكرمه. وضربه الوليد مرتين بالسوط، إحداهما في تزوّجه لبابة بنت عبد الله بن جعفر، وكانت عند عبد الملك فطلّقها، وذلك لأنه عض تفاحة ثم رمى بها إليها وكان أبخر فدعت بسكين. فقال لها: ما تصنعين بها؟ فقالت: أميط عنها الأذى، فطلقها، فتزوجها بعده علي، فضربه، الوليد، وقال: إنما تتزوج أمهات أولاد الخلفاء لتضع منهم كما فعل مروان بن الحكم بأمّ خالد بن يزيد بن معاوية.