رأيت أبا جعفر في المنام ... كساني من الخزّ درّاعه
فقال لغلامه: ادفع إليه دراعتي الخزّ، ثم قال له: كيف لم تر جبّتي المنسوجة بالذهب التي اشتريتها بثلاثمائة دينار؟ فقال له الشاعر: بأبي أنت دعني أغفى فلعلّي أراها. فضحك ثم قال: ادفع إليه جبّتي، فدفعت إليه.
وذكر أن رجلا جلب إلى المدينة سكّرا فكسد عليه فقيل له: لو أتيت ابن جعفر قبله منك وأعطاك الثمن فأتاه فأخبره فأمره بإحضاره، ثم أمر به فنثر وقال للناس: انتهبوا فلما رأى الرجل الناس ينتهبون قال له: جعلت فداك آخذ معهم؟ قال: نعم فجعل الرجل يهيل في غرارته، ثم قال لعبد الله:
أعطني الثمن فقال: وكم ثمن سكرك؟ قال: أربعة آلاف درهم، فأمر له بها فقال الرجل للناس: إنّ هذا ما يدري ما يفعل أخذ أم أعطى، لأطالبنّه بالثمن فغدا عليه وقال: ثمن سكّري فأطرق عبد الله مليّا ثم قال: يا غلام أعطه أربعة آلاف درهم فقال الرجل: قد قلت لكم إن هذا الرجل لا يعقل أخذ أم أعطى، لأطلبنّه بالثمن فغدا عليه وقال: أصلحك الله. ثمن سكّري فأطرق ثم رفع رأسه إلى رجل وقال: ادفع إليه أربعة آلاف درهم فلما ولي الرجل قال له عبد الله: يا أعرابيّ هذه تمام اثني عشر ألف درهم فانصرف الرجل وهو يعجب من فعله.
ولما ولي عبد الملك بن مروان جفا عبد الله ورقّت حاله فراح يوما إلى الجمعة وهو يقول: اللهمّ إنك عوّدتني عادة جريت عليها فإن كان ذلك قد انقضى فاقبضني إليك، فتوفّي في الجمعة الأخرى.
وأوصى إلى ابنه معاوية وكان في ولده من هو أسنّ منه، وقال له: إنّي لم أزل أؤمّلك لها. وكان عليه دين، فاحتال معاوية فيه وقضاه، وقسم أموال أبيه في ولده ولم يستأثر عليهم بشيء.
قال المدائني [1] : وكان عبد الله بن جعفر لا يؤدّب ولده ويقول: إن يرد الله بهم خيرا يتأدّبوا فلم ينجب فيهم غير معاوية.
ومن ولده عبد الله بن معاوية. وكان من فتيان بني هاشم وسمحائهم وشعرائهم وخطبائهم. دعا إلى نفسه وقيل دعا إلى الرّضا من آل محمد
(1) المدائني: هو علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف الحافظ أبو الحسن المدائني، مولى سمرة بن حبيب، أصله بصري، سكن المدائن، ثم انتقل إلى بغداد، فلم يزل بها إلى وفاته، ولد سنة 135هـ، وتوفي سنة 225هـ، له العشرات من المصنفات (انظر كشف الظنون 5/ 671670) .