وافتقد عبد الله صديقا له من مجلسه، ثم جاءه فقال له: أين كانت غيبتك؟ فقال: خرجت إلى عرض من أعراض المدينة مع صديق لي فقال له:
إن لم تجد من صحبة الرجال بدّا فعليك بصحبة من إن صحبته زانك، وإن خففت له صانك، وإن احتجت إليه مانك، وإن رأى منك خلّة سدّها، أو حسنة عدّها، وإن أكثرت عليه لم يرفضك إن سألته أعطاك، وإن أمسكت عنه ابتداك.
وامتدحه نصيب، فأمر له بخيل وإبل وأثاث ودنانير ودراهم. فقال له رجل: أمثل هذا الأسود يعطى مثل هذا المال؟ فقال عبد الله: إن كان المادح أسود فإن شعره أبيض وإن ثناءه لعربيّ ولقد استحقّ بما قال أكثر مما نال، وهل أعطيناه إلا ثيابا تبلى، ومالا يفنى، ومطايا تنضى، وأعطانا مدحا يروى وثناء يبقى.
وقيل له: إنك تبذل الكثير إذا سئلت، وتضيّق في القليل إذا توجرت فقال: إني أبذل مالي وأضنّ بعقلي.
قال بديح: كان في أذن عبد الله بن جعفر بعض الوقر إذا سمع ما يكره.
وروي أن النبيّ عليه السلام مرّ بعبد الله بن جعفر وهو صبيّ يصنع شيئا من طين من لعب الصبيان، فقال: ما تصنع بهذا؟ قال: أبيعه. قال: ما تصنع بثمنه؟ قال: أشتري به رطبا آكله فقال عليه السلام: اللهمّ بارك له في صفقة يمينه. فكان يقال: ما اشترى شيئا قط إلا ربح فيه.
وأخبار عبد الله بن جعفر في السخاء معروفة.
وذكر أن شاعرا أتاه فأنشده: [المتقارب]
رأيت أبا جعفر في المنام ... كساني من الخزّ درّاعه
فقال لغلامه: ادفع إليه دراعتي الخزّ، ثم قال له: كيف لم تر جبّتي المنسوجة بالذهب التي اشتريتها بثلاثمائة دينار؟ فقال له الشاعر: بأبي أنت دعني أغفى فلعلّي أراها. فضحك ثم قال: ادفع إليه جبّتي، فدفعت إليه.
وذكر أن رجلا جلب إلى المدينة سكّرا فكسد عليه فقيل له: لو أتيت ابن جعفر قبله منك وأعطاك الثمن فأتاه فأخبره فأمره بإحضاره، ثم أمر به فنثر وقال للناس: انتهبوا فلما رأى الرجل الناس ينتهبون قال له: جعلت فداك آخذ معهم؟ قال: نعم فجعل الرجل يهيل في غرارته، ثم قال لعبد الله: