فهرس الكتاب

الصفحة 293 من 1777

ولما استقام رأي الناس على أبي موسى بصفّين أتاه عبد الله بن عباس، فقال له وعنده وجوه الناس وأشرافهم: «يا أبا موسى إن الناس لم يرضوا بك، ولم يجتمعوا عليك لفضل لا تشارك فيه، وما أكثر أشباهك من المهاجرين والأنصار والمقدّمين قبلك! ولكنّ أهل الشام أبوا غيرك، وايم الله إني لأظنّ ذلك شرّا لنا ولهم، وإنه قد ضمّ إليك داهية العرب، وليس في معاوية خصلة يستحقّ بها الخلافة فإن تقذف بحقّك على باطله تدرك حاجتك فيه، وإن تطمع باطله في حقّك يدرك حاجته فيك. اعلم أن معاوية طليق الإسلام، وأنّ أباه من الأحزاب، وأنّه ادّعى الخلافة من غير مشورة فإن صدّقك فقد صرّح بخلعه، وإن كذّبك فقد حرم عليك كلامه وإن زعم أنّ عمر وعثمان استعملاه فصدق استعمله عمر وهو الوالي عليه، بمنزلة الطبيب من المريض، يحميه مما يشتهي، ويزجره عما يكره، ثم استعمله عثمان برأي عمر. وما أكثر ما استعملا ثم لم يدّعوا الخلافة وهو منهم واحد!. واعلم أن لعمرو مع كلّ شيء يسرّك خبيئا يسوءك، ومهما نسيت فلا تنس أن عليّا بايعه القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، وأنّها بيعة هدى، وأنه لم يقاتل إلا عاصيا وناكثا. فقال له أبو موسى: رحمك الله، والله ما لي إمام غير عليّ، وإني لواقف عندما أرى، ولرضا الله أحبّ إلي من رضا أهل الشام، وما أنا وأنت إلا بالله.

وقال له رجل: إن رجلا من أصحابي يغتابني، فقال: ما من غرّة إلا ومن جانبها عرّة، وما الذئب في فريسته بأسرع من ابن العمّ الدنيّ في عرض ابن عمه السّريّ.

ومرّ برجل ساجد يدعو فقال: هكذا أمرتم فادعوا، وتلا قوله تعالى:

{وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: الآية 19] .

وقال: التمسوا الرزق بالنّكاح.

وقال: لا غنى بالناس عن الناس، ولكن سل الله أن يغنيك عن شرار الناس.

وقال: إنكم من الليل والنهار في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، من زرع خيرا أوشك أن يحصد رغبة، ومن عمل شرّا أوشك أن يحصد ندامة، وكل زارع وما زرع، ولا يسبق بطيء بحظه، ولا يدرك حريص ما لم يقدّر له بحرصه، ومن أوتي خيرا فالله آتاه، ومن وقي شرّا فالله وقاه. المتقون سادة، والعلماء قادة، ومجالستهم زيادة.

وقال: ذللت للعلم طالبا فعزّزت مطلوبا.

وسئل عن منى وقيل: عجبا لمنى وضيقه في غير الحج، وما يسع من الحاجّ، فقال ابن عباس: إن منى ليتّسع بأهله كما يتّسع الرّحم للولد.

وكان يقول: ألذّ اللذات الإفضال على الإخوان، والرجوع إلى كفاية.

وخير العطية ما وافق الحاجة، وخير المحبة ما لم يكن عن رغبة ولا رهبة.

وقال: لا تمار سفيها ولا حليما فإن السفيه يؤذيك والحليم يقليك، واعمل عمل من يعلم أنّه مجزيّ بالحسنات مأخوذ بالسيئات.

وقال: لكلّ داخل دهشة، فابدؤوه بالسّلام.

وقال: أكرم الناس عليّ جليسي، إن الذباب ليقع عليه فيؤذيني، وما أدري كيف أكافئ رجلا تخطّى المجالس فجلس إليّ فإنه لا يكافئه إلا الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت