وقام عمرو بن العاص بالموسم فأطرى معاوية وبني أمية، وتناول من بني هاشم، وذكر مشاهده بصفّين فقال له ابن عباس: يا عمرو إنك بعت
دينك من معاوية فأعطيته ما في يدك، ومنّاك ما في يد غيره، وكان الذي أخذ منك فوقع الذي أعطاك، وكان الذي أخذت منه دون الذي أعطيته وكلّ راض بما أخذ وأعطى فلما صارت مصر في يدك تتّبعك فيها بالعزل والتّنقّص حتى لو أنّ نفسك فيها ألقيتها إليه.
وذكرت مشاهدك بصفّين، فما ثقلت علينا وطأتك، ولا نكأتنا فيها حربك، وإن كنت فيها لطويل اللسان قصيرع السّنان، آخر الحرب إذا أقبلت، وأوّلها إذا أدبرت، لك يدان: يد لا تبسطها إلى خير، ويد لا تقبضها عن شرّ، ووجهان: وجه مؤنس، ووجه موحش. ولعمري إنّ من باع دينه بدينا غيره لحريّ أن يطول حزنه على ما باع واشترى، لك بيان وفيك خطل، ولك رأي وفيك نكل، ولك قدرة وفيك حسد، فأصغر عيب فيك أعظم عيب غيرك.
فقال عمرو: أما والله ما في قريش أثقل وطأة منك، ولا لأحد من قريش عندي مثل قدرك.
وقال بعضهم: قلت لابن عباس: أخبرني عن أبي بكر. قال: كان خيرا كله على الحدّة وشدّة الغضب.
قلت: أخبرني عن عمر. قال: كان كالطائر الحذر قد علم أنّه نصب له في كل وجه حبالة، وكان يعمل لكل يوم بما فيه على عنف السّياق.
قلت: أخبرني عن عثمان. قال: كان والله صوّاما قوّاما، لم يخدعه نومه عن يقظته.
قلت: فصاحبكم. قال: كان والله مملوءا علما وحلما غرّته سابقته وقرابته، وكان يرى أنه لا يطلب شيئا إلا قدر عليه. قال: أكنتم ترونه محدودا؟
قال: أنتم تقولون ذلك.
وقيل له: أنى لك هذا العلم؟ فقال: قلب عقول ولسان سؤول.
وقال: من ترك قول: «لا أدري» أصيبت مقاتله.
قال علي بن عبد الله بن عباس. كنت مع أبي بمكة بعدما كفّ بصره وسعيد بن جبير يقوده، فمرّ بصفّة زمزم، وإذا قوما من أهل الشام يسبّون عليّا رضي عنه، فقال لسعيد: ردّني إليهم، فردّه، فوقف عليهم فقال: أيكم السابّ الله؟ قالوا: سبحان الله. ما فينا أحد سبّ الله. قال: فأيّكم السابّ رسول الله؟