فهرس الكتاب

الصفحة 277 من 1777

قيل: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمع عليّ والعباس وجماعة من حفدتهم ومواليهم في منزل رجل من الأنصار لإجالة الرأي، فبدر بهم أبو سفيان فجاء حتى طرق الباب فقال: أنشدكم الله أن تكونوا أوّل من قطع رحم بني عبد مناف، ثم جاء الزبير يهدج حتى طرق الباب، فقال: أنشدكم الله والخؤولة، والصّهورة، فلما حضر أرمّ القوم عن الكلام، فلما رأى أبو سفيان ذلك قال: مجد قديم أثّل بشرف الأبد، يا بني عبد مناف ذبّوا عن مجدكم، وانضحوا عن سؤددكم، وإياكم أن تخلعوا تاج كرامة ألبسكم الله إيّاه، وفضّلكم بها، إنّها عقب نبوّة، فمن قصّر عنها اتّبع.

وقال الزّبير: قد سمعتم مقالته، فابذلوا الشركة، وأحسنوا النّيّة فلن يستغني من استحقّ هذا الأمر عن مقاتل يقاتل معه، وموئل يلجأ إليه، والمقاتل معكم خير من المقاتل لكم.

فقال العباس: قد سمعنا مقالتكم، فلا لقلة نستعين بكم، ولا لظنّة نترك آراءكم، ولكن لالتماس الحق فأمهلونا نراجع الفكرة. فإن يكن لنا من الإثم مخرج يصرّ بنا وبهم الحقّ صرير الجدجد، ونبسط أكفّا إلى المجد لا نقبضها أو تبلغ المدى وإن تكن الأخرى فلا لقلة في العدد، ولا لوهن في الأيد.

والله لولا أنّ الإسلام قيّد الفتك لتدكدكت جنادل صخر يسمع اصطكاكها من محلّ الأثيل.

قال: فحلّ علي رضي الله عنه حبوته، وكذا كان يفعل إذا تكلّم وجثا على ركبتيه وقال: الحلم صبر، والتّقوى دين، والحجّة محمد صلى الله عليه وسلم والطريق الصّراط. إيها رحمكم الله، شقّوا متلاطمات أمواج الفتن، بحيازيم سفن النّجاة، وعرّجوا عن سبيل المنافرة، وحطّوا تيجان المفاخرة، أفلح من نهض بجناح، واستسلم فأراح. ما آجن لقمة تغصّ آكلها! ومجتني الثّمرة لغير إيناعها كالزّارع في غير أرضه. أما لو أقول ما أعلم لتداخلت أضلاع تداخل دوّارة الرّحا. وإن أسكت يقولوا جزع ابن أبي طالب من الموت. هيهات هيهات بعد اللّتيّا والّتي. والله لعليّ آنس بالموت من الطّفل بثدي أمّه، ولكنّي أدمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطويّ البعيدة.

ثم نهض وفرّقهم، وأبو سفيان يقول: لشيء ما فرّقنا ابن أبي طالب.

روى أحمد بن أبي طاهر في كتاب «المنثور والمنظوم» بإسناد له عن البراء بن عازب قال: لم أزل لبني هاشم محبّا فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم تخوّفت أن تتمالأ قريش على إخراج هذا الأمر من بني هاشم فأخذني ما يأخذ الواله العجول مع ما في نفسي من الحزن لوفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم وقد ملأ الهاشميّون بيتهم، فكنت أتردّد بينهم وبين المسجد أتفقّد وجوه قريش، فإني لكذلك إذ

فقدت أبا بكر وعمر، ثم لم ألبث إذ أنا بأبي بكر قد أقبل في أهل السّقيفة وهم يحتجزون الأزر الصّنعانيّة، لا يمرّون بأحد إلّا خطبوه، فإذا عرفوه قدّموه فمدّوا يده، فمسحوها على يد أبي بكر، وقالوا له: بايع. شاء ذلك أو أبى، فأنكرت عند ذلك عقلي، وخرجت مسرعا حتّى انتهيت إلى بني هاشم والباب مغلق فضربت الباب عليهم ضربفا عنيفا، وقلت: قد بايع الناس أبا بكر بن أبي قحافة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت