فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 1777

القول، كما أعوذ بك من الخطأ في العمل. وأعوذ بك من زلل اللسان والقلم كما أعوذ بك من زلل القدم، وأعوذ بك من النطق الفاضح، كما أعوذ بك من العي الفادح. فاجعل نطقنا ثناء على عزّتك، وصمتنا فكرا في قدرتك.

وجنّبنا في جميع أحوالنا ومختلفات أقوالنا وأفعالنا ما نستجلب به غضبك، ونحتقب [1] به الشّرك بك، تشبيها لك بخلقك وتصويرا وتظليما لك في فعلك، وتجويرا وعدولا في دينك عن الجدد [2] ، وتنكبا للسنن الأرشد، الذي هدانا إليه نبيّك محمد صلى الله عليه وسلم، بوحيك الذي أوحيته إليه، وكلامك الذي أنزلته عليه، مبلّغا لرسالتك، ناديا إلى عبادتك، صادعا بالدعاء إلى توحيدك، معلنا بتعظيمك وتمجيدك، ناصحا لأمته وعبيدك. صلى الله عليه صلاة نامية زاكية وسلّم سلاما طيبا كثيرا وعلى أصحابه وأهل بيته الذين أذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا.

وبعد،

فإني رأيتك أمتع الله بأدبك، وأمتع الأدب وأهله بك حين سمعت بالمجموع الكبير الذي سميته «نزهة الأديب» [3] ظننتني قصدت به قصد من يؤلف كتابا، فيصنفه أصنافا ويبّوبه أبوابا، حتى يتميز فيه النثر عن النظم، والجدّ عن الهزل، والسمين عن الغث، والبارع عن الرذل، وتكثر فيه الأشكال والنظائر، وتتشابه منه الأوائل والأواخر، ولم تعلم أنه جرى مجرى التعليق، الذي يحتوي على الجليل والدقيق، ويقرن بين القريب والسحيق، ويكون كاتبه كحاطب الليل يجمع نبعا [4] وقتادا [5] ، وجارف السيل يجمل منافع وأزبادا، ويكون قارئه كغائص البحر يغوص مرة على الدرة الثمينة، وأخرى على الصدقة المهينة، حتى يخرج من الجد الشريف إلى المزح السخيف، ومن الجذل البديع إلى الهزل الشنيع، ومن فصيح المقال إلى العي المحال ومن الموعظة التي تدنى إلى الرب إلى النادرة التي تغرى بالذنب. ورأيت ميلك من جميع ذلك إلى

(1) احتقب الشيء: أردفه، واحتقب فلان الإثم: ارتكبه.

(2) الجدد: الأرض المستوية، وفي المثل: «من سلك الجدد أمن العثار» ، يضرب في طلب العافية.

(3) في كشف الظنون 2/ 1939: «نزهة الأدب» لأبي سعيد منصور بن الحسين الآبي.

(4) النبع: شجر تصنع منه القسي والسهام.

(5) القتاد: الشوك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت