فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 1777

كلامها، فمني الناس بتلوّم وتلوّن، وزلل واعتذار، فلما مضى لسبيله صيّرها إلى ستة زعم أني أحدهم. فيا لله وللشورى! متى اعترض فيّ الرّيب فأثرن بهذه النظائر؟ فمال رجل لضغنه، وصغا آخر لصهره، وقام ثالث القوم نافجا خصييه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يهضمون مال الله هضم الإبل نبات الرّبيع، فلما أجهز عليه عمله، ومضى لسبيله ما راعني إلا والنّاس إليّ سراعا كعنق الضّبع، وانثالوا عليّ من كلّ فجّ عميق، حتّى وطيء الحسنان، وانشقّ عطفاي فلما نهضت بالأمر مرقت طائفة، ونكثت أخرى، وفسق آخرون، كأن لم يسمعوا الله يقول: {تِلْكَ الدََّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهََا لِلَّذِينَ لََا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلََا فَسََادًا وَالْعََاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) } [القصص: الآية 83] . بلى والله قد سمعوه، ولكن احلولت الدّنيا في عيونهم، وراعهم زبرجها. أما والله لولا حضور الناصر، ولزوم الطاعة، وما أخذ الله على العباد ألّا يقروا كظّة ظالم، ولا شغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيت دنياكم هذه أهون عندي من عفطة عنز: [السريع]

شتّان ما نومي على كورها ... ونوم حيّان أخي جابر [1]

فقام رجل من القوم فناوله كتابا شغل به، فقال ابن عباس: فقمت إليه، وقتل له: يا أمير المؤمنين لو أبلغت مقالتك من حيث قطعت. قال: هيهات إنّها كانت شقشقة [2] هدرت فقرّت.

وقال: إن الله عزّ وجلّ فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلّا بما منع غنيّ. وعلى الله أن يسألهم عن ذلك.

وكان عليه السلام يقول: عليكم بالصبر فإنّ به يأخذ الحازم وإليه يؤول الجازع. وقال: لا خير في صحبة من إذا حدّثك كذّبك، وإذا حدثته كذّبك.

وإن ائتمنته خانك، وإن ائتمنك اتّهمك، وإن أنعمت عليه كفرك، وإن أنعم عليك منّ عليك.

(1) البيت للأعشى في ديوانه ص 197، ولسان العرب (شتت) .

(2) الشقشقة: هدير الفحل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت