ذكر أن سليمان بن عبد الملك كتب إلى أبي بحر بن نافنّة: أن ابن لي قصرا بالجرف أنزله إذا قدمت المدينة. فبنى له قصرا ضيّقا، ودأب في عمله الليل والنهار فرقا من قدوم سليمان، وعمل فيه أيام الجمع. وراح إلى الصلاة
متخفيا، وقد خلت الطريق فلقيه أبو عليّ الأسود وكان يقطع الطريق فقال:
يا أبا بحر، ضع ثوبيك. قال: يا أبا علي، رقيقي أحرار لوجه الله إن كنت أخذتهما إلا بخمسة دنانير، وهم أحرار إن لم أردّهما إليك أو خمسة دنانير.
قال: فأنغض أبو عليّ رأسه، وقال: يا أبا بحر، أرأيت أحدا قطع قطّ بنسيئة؟
ضع ثوبيك. فوضعهما ورجع عريانا. وقدم بعقب ذلك سليمان بن عبد الملك، فنظر إلى القصر وإلى ضيقه فقال: عليك لعنة الله، لقد سرّني ما صنع بك أبو علي، يا عاضّ كذا من أمه.
بات رجل في منزله، وليس له فيه شيء، فطرقه لصّ في الليل وأحسّ الرجل به، فقال: يا غلام، ودعاه ببعض أسماء العبيد، تعالى وغمّزني. فقال اللص: الرجل سكران، وهو ذا يحسبني بعض غلمانه وإذا غمّزته ساعة غلبه النوم، وقمت فكوّرت جميع ما في البيت، فجعل يغمّزه، ومد الرجل يده إلى اللصّ فجذبه إلى نفسه، وناكه، واللصّ ساكت لا يجسر أن يتكلّم، ولا يشكّ أن الرجل قد غلط، وكلما أراد أن يقوم وقدّر أن الرجل قد نام عاوده وناكه مرة أخرى، حتى فعل ذلك به مرارا، ومضى الليل، وخاف اللصّ أن يفضحه الصبح فقام ليتسلّق الحائط ويهرب. فصاح به الرجل: متى نشطت للعود فعد.
فصاح اللصّ: أما أنا فأجد موضعا أسرق منه شيئا ولكن الشأن فيك حين لا تجد نيكا إلا إذا أتاك لصّ.