فهرس الكتاب

الصفحة 1642 من 1777

يا عمرو، إنّ أهل هذه الدار سفر لا يحلّون عقد الرّحال إلّا في غيرها، وإنما يتبلّغون فيها بالعواري، فما أحسن الشكر للمنعم، والتسليم للمعير!.

يا عمرو، من أحقّ بالتسليم من لا يجد مهربا من طالبها إلا إليه، ولا معينا إلّا عونا إليه؟

يا عمرو، انظر مما جزعت، وما استنكر، وما تحاول؟ فإن كان الجزع ردّك إلى ثقة من درك الطّلبة، وكنت قويّا على رد ما كرهت، فكيف تعجز عن الغلبة على ما أحببت؟ فإن كنت حاولت مغلوبا فمن أفنى القرون الأولى قبلك؟

يا عمرو: «إنّ أعظم المصيبة سوء الخلف منها» .

يا عمرو، إنه من يتناول ثمرة ما لا يكون استقرت في يديه الخيبة. أفمن هذا المعدن ترجو درك الغنيمة؟

يا عمرو: «إن العلم لا ينال إلا بالتعلّم» فمن رأيت تعلّم ما لا يعلّم، وأدرك ما لا يكون فيمن كان قبلك؟

يا عمرو، فما غناؤك في طلب من في طلبك أم كيف رجوت رجعة مالك إليك وأنت تساق إليه؟ وما جزعك على الظاعن عنك اليوم وأنت مرتحل في طلبه غدا؟ وما طمعك في رد ما هو كائن بما لا يكون، فأفق فإن المرجع قريب، ولا تمعن فيضرّ بك العمى، وتنوّهك الجهالة، وأنت ذو الحظّ الكثير من الدنيا في قسمك، وأخو ذي الملك في قرابتك، وابن الملوك المتبّعين في نسبك، قد أتاك الخبر في كلّ ما قالوا، وأنت غافل، فلا تكونن في الشكر دون الحق عليك.

يا عمرو، إنما ابتلاك بالمصيبة المنعم، وأخذ منك العطية المعطي، وما يريد أكثر، فإن نسيت الصبر فلا تغفل الشكر، وكلّا فلا تدع.

يا عمرو، إنه لا أغنى من منعم، ولا أحوج من منعم عليه واحذر من الغفلة استلاب النّعم وطول الندامة. واعلم أنه لا أضيع ممن غفل عن نفسه ولا يغفل عنه طالبه.

يا عمرو، إن أخاك قد برز لعظيم صلتك، ولاستكمال كرامتك ولطف بما تراه لموعظتك.

يا عمرو، فهذا يوم ثناؤه عظيم، وبقاء ما فيه بعدنا طويل، وسيحظى بعد اليوم السعيد، ويتذكّر من منافعه اللبيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت