إني قرأت في بعض الكتب: «من أحمق من السّلطان؟ ومن أجهل ممّن عصاني؟ ومن أغرّ ممّن اغترّ بي؟ أيا راعي السوء دفعت إليك غنما سمانا
سحاحا، فأكلت اللحم وشربت اللبن، وائتدمت بالسّمن، ولبست الصّوف، وتركتها عظاما، ما تقعقع».
قيل: طاف الرشيد بالبيت فوطىء جرادة، فلم يدر ما عليه فيها، فبعث المأمون إلى الفضيل بن عياض، فسلّم عليه وقال: أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول: لنا إليك حاجة فأحبّ أن تصير إلينا، فلم يجب الفضيل بشيء، فرجع المأمون وقال: رأيت رجلا ليست به إليك حاجة، فقام الرشيد مغضبا حتى تخوّفنا على الفضيل منه، قال: فوقف عليه وسلّم، فوسّع الفضيل، أو رد السلام عليه، فلما جلس أقبل على الفضيل فقال: رحمك الله، قد كان الواجب أن تأتينا، وتعرف حقّنا إذ ولّانا الله أموركم، وصيرنا الحكّام في دمائكم، والذابّين عن حريمكم، وإذا لم تأتنا فقد أتيناك، إني وطئت الآن في الطواف على جندبة فما ديتها؟ قال: فبكى الفضيل بكاء شديدا حتى علا صوته، وقال:
إذا كان الراعي يسأل الغنم هلكت الغنم، وإنما يجب على الراعي أن يرتاد لغنمه الرعي وجيّد الكلأ وعذب الماء، فإذا كنت يا أمير المؤمنين غافلا عن معالم الدّين فبأيّ شيء تسوس رعيتك؟ قال: فخجل الرشيد حتى عرق وانصرف.
اختلفوا بحضرة الزّهريّ [1] في معنى قول القائل: فلان زاهد، فقال الزّهريّ الذي لا يغلب الحرام صبره ولا الحلال شكره.
قال عمر بن ذرّ: الحمد لله الذي جعلنا من أمة تغفر لهم السيئات ولا تقبل من غيرهم الحسنات.
قال يونس بن عبيد [2] : سمعت ثلاث كلمات لم أسمع بأعجب منهنّ قول حسان بن أبي سنان: ما شيء أهون من ورع، إذا رابك شيء فدعه. وقول ابن
(1) الزهري: هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب، أبو بكر الزهري، أول من دوّن الحديث، وأحد الفقهاء والأعلام التابعين بالمدينة، توفي سنة 124هـ، صنّف «كتاب المغازي» (انظر ترجمته في: كشف الظنون 6/ 7، تهذيب التهذيب 9/ 445، غاية النهاية 2/ 262، تذكرة الحفاظ 1/ 102، وفيات الأعيان 1/ 571) .
(2) هو يونس بن عبيد بن دينار العبدي البصري، أبو عبد الله، من حفاظ الحديث الثقات، من أصحاب الحسن البصري، توفي سنة 139هـ (الأعلام 8/ 262) .