فهرس الكتاب

الصفحة 1507 من 1777

ولّى المهلّب بعض الأعراب كورة بخراسان وعزل واليا كان بها، فلما وردها الأعرابي، صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أيّها الناس اقصدوا لما أمركم الله به فإنه عز وجل رغّبكم في الآخرة الباقية وزهّدكم في الدنيا الفانية فرغبتم في هذه، وزهدتم في تلك، فيوشك أن تفوتكم الفانية ولا

تحصل لكم الباقية فتكونوا كما قال الله: «لا ماءك أبقيت ولا حرك أنقيت» واعتبروا بهذا المعزول عنكم، كيف سعى وجمع فصار ذلك كله إليّ، على رغم من أنفه، وصار كما قال الله في محكم كتابه: [الرجز]

أنعمي أمّ خالد ... ربّ ساع لقاعد

أتى أعرابيّ برقاقة فتأملها ثم قال: لقد سحقك الدهر.

قدّم إلى أعرابي كامخ فقال: ما هذا؟ قيل: كامخ. فقال: من كمخ به؟

وذلك أنهم يقولون: كمخت البقرة إذا ثلطث.

واجتمع اثنان منهم على كامخ فقال أحدهما: خيرا ورب الكعبة، وذاقه الآخر فاستطابه فقال: أحسبه خبز الأمير.

دخل أعرابيّ على سليمان بن عبد الملك وبين يديه فالوذج فقال: ما هذا يا أمير المؤمنين، قال: هذا شيء من أكله مات، قال: أفلا أذوقه! قال: ذقه، فذاقه وشمّر عن ساعده، وجعل يأكل ويقول: أوصيكم بعيالي خيرا.

مرّ أعرابي بقرص سفود [1] وقد سقط من بعض الحاج فأخذه فلما نظر إلى وسطه رمى به وقال: من سلح عليك؟ لا حيّاك الله.

قال الأصمعي: سمع أعرابيّ واحدا يقرأ: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمََالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيََاةِ الدُّنْيََا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} (104) [الكهف: 104103] فقال: وأبيك، إني لأعرف هؤلاء القوم بنعتهم فقيل له: ومن هم؟ قال: الذين يثردون ويأكل غيرهم.

قدّم أعرابي رجلا إلى القاضي واستعدى عليه، وتقدّم شاهدان فقالا: نشهد أنه قد ظلم الأعرابي، فقال الأعرابي: كذبا، ما ظلمني ولكنه لوى حقّي.

نظر بعض الأمراء إلى أعرابيّ كان قائما بين يديه نظرا شديدا، فقال الأعرابيّ: لقد همّ الأمير لي بخير؟ قال: لا، قال: فبشرّ! قال: لا، قال:

(1) السفود: حديدة يشوى بها، وتسفيد اللحم: نظمه فيها للاشتواء. وقيل: السفود: الأسياخ التي يشوى عليها اللحم المعروف في مصر بالكباب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت