المطّلب، فرّاج للكرب، ذو رأي لا ينكش [1] وزمّاع [2] لا يفحش، فاسمعوا له وأطيعوا جنّبكم ربّكم الرّدى.
أوصى القرافصة ابنته نائلة حين زفّها إلى عثمان فقال: يا بنيّة، إنك تقدمين على نساء قريش، هنّ أقدر على الطّيب منك، فلا تلقبي على خصلتين أقولهما لك: الكحل والماء، تطهّري حين يكون ريح جلدك كأنه ريح شن [3] أصابه مطر.
أوصى يزيد بن المهلب ابنه مخلدا حين استخلفه على جرجان فقال: يا بنيّ قد استخلفتك، فانظر هذا الحي من اليمن، فكن منهم كما قال الشاعر [4] :
[الطويل]
إذا كنت مرتاد الرجال لنفعهم ... فرش واصطنع عند الذين بهم ترمي
وانظر هذا الحي من ربيعة فإنهم شيعتك وأنصارك، فاقض حقوقهم، وانظر هذا الحي من تميم، فامطر ولا تزه لهم، ولا تدنهم فيطمعوا، ولا تقصهم فينقطعوا عنك، وكن بين المطيع وبين المدبر، وانظر هذا الحي من قيس، فإنهم أكفاء قومك في الجاهلية، ومناصفوهم المنابر في الإسلام، ورضاهم منكم البشر: يا بني: إن لأبيك صنائع فلا تفسدها فإنه كفى بالمرء من النّقص أن يهدم ما بنى أبوه، وإيّاك والدّماء، فإنه لا بقية بعدها، وإياك وضرب الأبشار، فإنه عار باق، ووتر مطلوب، واستعمل على النّجدة والفضل دون الهوى، ولا تعزل إلا عند العجز أو الخيانة، ولا يمنعك من اصطناع الرجل أن يكون غيرك قد سبقك إليه، فإنك إنما تصطنع الرجال لنفسك، ولتكن صينعتك عند من يكافئك عند العشائر، احمل الناس على أحسن أدبك، يكفوك أنفسهم، وإذا كتبت كتابا فأكثر النّظر فيه، وليكن رسولك فيما بيني وبينك، من يفقه عنّي وعنك، فإنّ كتاب
(1) لا ينكش: أي لا يستقصى ما فيه.
(2) الزمّاع: ذو العزم.
(3) ريح شنّ: ريح يابسة جافة.
(4) البيت بلا نسبة في أساس البلاغة (ريش) ، ولفظ صدر البيت فيه:
إذا كنت مختار الرجال لنفعهم