إني أرى لكم عليّ حقّا بمصاهرتي إياكم، ومقامي بين أظهركم، وإني أوصيكم بخصال آمركم بها، وأنهاكم عن خصال، عليكم بالأناة فإنّ بها تدرك الحاجة،
وتنال الفرصة، وتسويد من لا تعابون بتسويده، والوفاء فإنّ به يعيش الناس، وإعطاء ما تريدون إعطاءه قبل المسألة، ومنع ما تريدون منعه قبل الإنعام وإجارة الجار على الدهر، وتنفيس البيوت عن منازل الأيامي، وخلط الضّيف بالعيال، وأنهاكم عن الرّهان فإني به ثكلت مالكا أخي، وعن البغي فإنه صرح زهيرا أبي، وعن السّرف في الدماء، فإنّ قتلى أهل العبات أورثني العار. ولا تعطوا في الفضول فتعجزوا عن الحقوق، وأنكحوا الأيامى الأكفاء، فإن لم تصيبوا بهن الأكفاء فخير بيوتهنّ القبور. واعلموا أني أصبحت ظالما مظلوما، ظلمتني بنو بدر بقتلهم مالكا، وظلمتهم بقتلي من لا ذنب له. ثم رحل عنهم فلحق بعمان، فتنصّر بها، وأقام حتى مات. وقيل: إنه احتاج فكان يأكل الحنظل حتى قتله، لم يخبر أحدا بحاجته.
بلغ أبا الأغر أنّ أصحابه بالبادية قد وقع بينهم شرّ، فأرسل ابنه الأغر فقال: يا بني كن يدا لأصحابك على من قاتلهم، وإيّاك والسيف فإنه ظل الموت، واتّق الرمح فإنه رشاء المنيّة، ولا تقرب السهام فإنها رسل لا تؤامر مرسلها، قال فبماذا أقاتل؟
قال: بما قال الشاعر [1] : [الطويل]
جلاميد أملاء الأكفّ كأنها ... رؤوس رجال حلّقت في المواسم
وقال رجل من بني هلال لبنيه: يا بني اظهروا النسك فإن الناس إن رأوا من أحدكم بخلا قالوا: مقتصد لا يحب الإسراف وإن رأوا عيا قالوا: متوقّ يكره الكلام، وإن يروا جبنا قالوا: متحرّج يكره الإقدام على الشبهات.
وكانت العرب إذا أوفدت وافدا تقول له: إياك والهيبة فإنها خيبة، وعليك بالفرصة فإنها خلسة، ولا تبت عند ذنب الأمر، وبت عند رأسه.
أوصت أعرابية ابنتها عند إهدائها إلى زوجها، فقالت: اقلعي زجّ رمحه، فإن أقرّ فاقلعي سنانه، فإن أقر كسرى العظام بسيفه، فإن أقر فاقطعي اللحم على
(1) البيت لامرأة من بني حنيفة في أساس البلاغة (ملأ) ، ولنافع بن خليفة الغنوي في ذيل الأمالي ص 117، وبلا نسبة في مقاييس اللغة 1/ 507، والكامل للمبرد ص 333.