لما ظفر المهلّب [1] بالخوارج وجّه كعب بن معدان إلى الحجاج فسأله عن بني المهلّب فقال المغيرة فارسهم وسيّدهم، وكفى بيزيد فارسا شجاعا، وسخيّهم قبيصة، ولا يستحي الشّجاع أن يفرّ من مدرك، وعبد الملك سمّ ناقع، وحبيب موت ذعاف، ومحمّد ليث غاب، وكفاك بالمفضل نجدة. قال: فكيف خلفت جماعة الناس؟ قال: خلفتهم بخير، قد أدركوا ما أملوا، وأمنوا ما خافوا. قال:
وكيف كان بنو المهلّب فيهم؟ قال: كانوا حماة السرج نهارا، فإذا اليلوا ففرسان البيات. قال: فأيّهم كان أنجد؟ قال: كانوا كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفها. قال: فكيف كنتم أنتم وعدوكم؟ قال: كنا إذا أخذنا عفونا جدّوا فيئسنا منهم، وإذا اجتهدوا واجتهدنا طمعنا فيهم، فقال الحجاج: إن العاقبة للمتقين.
كيف أفلتكم قطري [2] ؟ قال: كدناه ببعض ما كادنا به، فصرنا منه إلى التي نحب. قال: فهلّا اتبعتموه؟ قال: كان الحد عندنا أثرا من الفلّ. قال: فكيف كان لكم المهلب وكنتم له؟ قال: كان لنا منه شفقة الوالد، وله منابر الولد.
قال: فكيف اغتباط الناس؟ قال: فشا فيهم الأمن، وشملهم النّفل، قال: أكنت أعددت هذا الجواب؟ قال: لا يعلم الغيب إلّا الله عزّ وجلّ. فقال: هكذا والله يكون الرجال، المهلّب كان أعلم بك حيث وجّهك.
وقال عمر لمتمّم بن نويرة [3] : إنك لجزل، فأين كان أخوك منك؟ قال:
(1) هو المهلب بن أبي صفرة ظالم بن سراق الأزدي العتكي. أبو سعيد، أمير بطاش جواد، حارب الخوارج الأزارقة وظفر بهم، قال فيه عبد الله بن الزبير: هو سيد أهل العراق، توفي سنة 83هـ (الأعلام 7/ 315) .
(2) هو قطري بن الفجاءة، واسمه جعونة بن مازن بن يزيد الكناني المازني التميمي، من رؤساء الخوارج وأبطالهم توفي سنة 58هـ (الأعلام 5/ 200) .
(3) متمم بن نويرة: هو أبو نهشل متمم بن نويرة بن جمرة بن شداد بن عبيد بن ثعلب بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، من سادات قومه وأشرافهم وفرسانهم وشعرائهم، شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، فأسلم، وحسن إسلامه وعدّ من الصحابة، يقال له: أبو نهشل، وأبو تميم، وأبو إبراهيم، أخوه مالك بن نويرة الملقب «بالجفول» وهو الذي قتله ضرار بن الأزور بأمر خالد بن الوليد، فرثاه متمم بقصيدة شهيرة. قدم متمم على أبي بكر الصديق فأنشده مراثي أخيه مالك وناشده في دمه وفي سبيهم فردّ أبو بكر إليه السبي، وأغلظ عمر بن الخطاب لخالد بن الوليد في أمر مالك، وعذره أبو بكر.
توفي متمم بن نويرة نحو سنة 30هـ (معجم الشعراء المخضرمين والأمويين ص 422) .