الذّنت للمصرّ، ومن الحكم للمقر، وهو عندهم أرفع من السماء، وأعذب من الماء، وأحلى من الشهد، وأذكى من الورد، خطؤه صواب، وسيّئته حسنة، وقوله مقبول، يغشى مجلسه، ولا يمل حديثه، قال: والمفلس عند الناس أكذب من لمعان السّراب، ومن رؤيا الكظّة، ومن مرآة اللّقوة ومن سحاب تموز، ولا يسأل عنه إن غاب، ولا يسلّم عليه إن قدم، إن غاب شتموه، وإن حضر زبروه، وإن غضب صفعوه، مصافحته تنقض الوضوء، وقراءته تقطع الصلاة، أثقل من الأمانة، وأبغض من الملحف المبرم.
قال أعرابي: خرجت في ليلة حندس [1] قد ألقت أكارعها على الأرض فمحت صور الأبدان، فما كنا نتعارف إلا بالأذان، فسرنا حتى أخذ الليل ينفض صبغة.
بعث النعمان جيشا إلى الحارث بن أبي شمر فقال: من يعرف عدوّنا الذي أنفذنا إليه جيشنا؟ فقال بعض بني عجل: أنا، قلت: فصفه قال: هو قطف نطف، صلف قصف، فقام الوديم، وهو عمرو بن ضرار فقال: أبيت اللعن، أو طاك العشوة [2] ، هو والله حليم النشوة، جواد الصحوة شديد السطوة، فقال:
هكذا ينبغي أن يكون عدوّنا.
سئل أعرابي من عبس عن ولده، فقال: ابن قد كهل، وابن قد رفل [3] ، وابن قد عسل [4] ، وابن قد فسل [5] ، وابن قد مثل [6] ، وابن قد فصل [7] .
قال الأصمعي: قيل لبني عبس: كيف صبرتم، وكيف كانت حالكم فيما كنتم فيه؟ قالوا: طاحت والله الغرائب من النساء، فما بقي إلا بنات عم، وما بقي معنا من الإبل إلّا الحمر الكلف، وما بقي من الخيل إلا الكميت الوقاح [8] ،
(1) الحندس: الشديد الظلمة.
(2) أوطاك العشوة: أي حملك على أمر غير رشيد.
(3) رفل: عاش عيشة رغيدة واسعة، وحتى جرّ ذيله وتبختر.
(4) عسل: أي جعل أدمه العسل.
(5) فسل: ضعف ورذل.
(6) مثل: قام وانتصب.
(7) فصل: فطم.
(8) الكميت: الذي خالط حمرته قنوء، والذي فيه سواد وحمرة. والوقاح: الخيل ذو الحافر الصلب.