قال الجاحظ [1] : ومن خطباء إياد، قسّ بن ساعدة [2] الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم:
رأيته بسوق عكاظ على جمل أحمر وهو يقول: أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. وهو القائل في هذه: الآيات محكمات، مطر ونبات، وآباء وأمهات، وذاهب وآت، ونجوم تمور وبحار لا تغور، وهو القائل: يا معشر إياد: أين ثمود وعاد؟ أين الآباء والأجداد؟ وأين المعروف الذي لم يشكر؟ وأين الظلم الذي لم ينكر؟ أقسم قس قسما إن لله لدينا هو أرضى له وأفضل من دينكم هذا.
سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن الأهتم عن الزبرقان بن بدر فقال: إنه لمانع لحوزته، مطاع في أدنيه قال الزبرقان حسدني يا رسول الله ولم يقل الحق. قال عمرو: وهو والله زمر [3] المروءة، ضيّق العطن، لئيم الخال. فنظر النبي صلى الله عليه وسلم في عينيه فقال: يا رسول الله رضيت. فقلت: أحسن ما علمت، وعضبت. فقلت:
أسوأ ما علمت وما كذبت في الأولى وصدقت في الأخرى فقال صلى الله عليه وسلم: إن من البيان لسحرا.
وكان عامر بن الظّرب العدواني حكما وكان خطيبا رئيسا وهو الذي قال:
يا معشر عدوان، الخير ألوف عروف ولن يفارق صاحبه حتى يفارقه، وإني لم أكن حكيما حتى اتبعت الحكماء ولم أكن سيدكم حتى تعبدت لكم.
قال بعضهم، قلت لأبي الحصين: ما أعجب ما رأيت من الخصب؟
قال: كنت أشرب رثيئة [4] تجرّها الشفتان جرّا، وقارصا إذا تجشّأت جدع أنفي، ورأيت الكمأة تدوسها الإبل بمناسمها، وخلاصة يشمّها الكلب فيعطس.
(1) هو عمرو بن بحر بن محبوب الكناني، المتوفى سنة 255هـ، تقدمت ترجمته.
(2) هو قس بن ساعدة الإيادي، من كبار الخطباء العرب وحكمائهم في الجاهلية، كان أسقف نجران، قيل: إنه أول عربي خطب وهو يتوكأ على سيف أو على عصا، وأوّل من استعمل في كلامه «أما بعد» ، عمّر طويلا، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، ورآه النبي صلى الله عليه وسلم في عكاظ (معجم الشعراء الجاهليين ص 293) .
(3) الزّمر ككتف: القليل المروءة.
(4) رثأ اللبن، كمنع: حلبه على حامض فخثر، وهو الرثيئة.