صعد خالد بن عبد الله القسري المنبر بالبصرة فأرتج عليه، فقال: أيّها الناس إنّ الكلام يجيء أحيانا فيتسبّب سببه، ويعزّ أحيانا فيعزّ طلبه، فربّما طلب فأبى،
وكوبر فعسا، فالتأنّي لمجيّة أصوب من التعاطي لأبيّه، ثم نزل.
قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: كان أبي كثيرا ما يقول إذا سرّ: هذا يوم جريري. قال: فسألته عن ذلك، فقال: لقوله [1] : [الطويل] فيا لك يوما خيره قبل شرّه ... تغيّب واشيه وأقصر عاذله
ومثل ذلك ما حكي عن عبد الله بن طاهر: إنّه كان يقول: هذا من أيّام الكوز. فسئل عن ذلك فقال: كان رجل إذ مرّ له يوم طيب ألقى حصاة في كوز.
فإذا سئل عن عمره عدّ الحصى وقال: كذا يوما.
كان مسلم بن قتيبة يقول: أحزم الناس من وقى ماله بسلطانه، ووقى نفسه بماله، ووقى دينه بنفسه وقال: إذ تخالجتك الأمور فاستقلّ بأعظمها خطرا، فإن لم تستبن فأرجاها دركا، فإن اشتبهت فأحراها ألّا يكون لها رجوع عليك.
وقال: احملوا الأمور فيما بينكم على أشدّها، ولا تراضوا بالقول دون الفعل.
وخطب خالد بن عبد الله، فقال: أيّها الناس، عليكم بالمعروف، فإنّ فاعله لا يعدم جوازيه. مهما ضعف النّاس عن أدائه قوى الله على جزائه. أيّها الناس، لا يعتدّنّ أحد منكم معروفا لم يخرج منه سهلا، إنكم لو رأيتم المعروف شخصا لرأيتموه حسنا جميلا. أعاذنا الله وإياكم من الكفر والبخل.
وقال خالد: أيلبس الرجل أجود ثيابه، ويتطيّب بأطيب طيبه، ثم يتخطّى إليّ القبائل، والوجوه، لا يريد إلّا قضاء حقّي، وتعظيمي بسؤاله حاجته. فلا أعرف ذلك له ولا أكافئه عليه؟ تخطيت إذن مكارم الأخلاق ومحاسنها إلى مساويها.
اغتاب رجل رجلا عند قتيبة فقال له قتيبة: أمسك عليك فلقد تلمّظت بمضغة طالما لفظها الكرام.
لما ولي عثمان بن حيّان المرّي المدينة بعد عمر بن عبد العزيز نزل دار مروان بن الحكم وهو يقول: محلال مظعان. المغرور من اغترّ بك.
(1) البيت لجرير في ديوانه ص 480.