فهرس الكتاب

الصفحة 1024 من 1777

عليكم، فلا تملّوا النّعم فتتحول نقما. وأعلموا أن أفضل المال ما أكسب أجرا، وورّث ذكرا، ولو رأيتم المعروف رجلا رأيتموه حسنا جميلا يسرّ الناظرين ويفوق العالمين. ولو رأيتم البخل رجلا رأيتموه مشوّها قبيحا تنفر عنه القلوب وتغضي عنه الأبصار. أيها الناس: إن أجود الناس من أعطي من لا يرجوه، وأعظم الناس عفوا من عفا عن قدرة، وأوصل الناس من وصل من قطعه ومن لم يطب حرثه لم يزك نبته. والأصول عن مغارسها تنمو، وبأصولها تسمو. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

أراد رجل أن يمدح رجلا عند خالد بن عبد الله، فقال: والله لقد دخلت إليه فرأيته أهدى الناس دارا وفرشا وآلة. فقال خالد: لقد ذممته من حيث أردت مدحه هذا والله حال من لم تدع فيه شهوته للمعروف فضلا.

حدث بعضهم قال: لما ولي أبو بكر بن عبد الله المدينة وطال مكثه عليها كان يبلغه عن قوم من أهلها تناول لأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وإسعاف من آخرين لهم على ذلك، فأمر أهل البيوتات، ووجوه الناس في يوم جمعة أن يقربوا من المنبر، فلما فرغ من خطبة الجمعة قال: «أيّها الناس: إنّي قائل قولا، فمن وعاه وأداه فعلى الله جزاؤه ومن لم يعه فلا يعدمنّ ذما. مهما قصرتم من تفصيله فلن تعجزوا عن تحصيله، فارعوه أبصاركم، وأوعوه أسماعكم، وأشعروه قلوبكم فالموعظة حياة والمؤمنون إخوة. وعلى الله قصد السبيل، ولو شاء لهداكم أجمعين.

فأتوا الهدى تهتدوا، واجتنبوا الغي ترشدوا {وَتُوبُوا إِلَى اللََّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31] . والله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه أمركم بالجماعة، ورضيها لكم، ونهاكم عن الفرقة، وسخطها منكم {اتَّقُوا اللََّهَ حَقَّ تُقََاتِهِ وَلََا تَمُوتُنَّ إِلََّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللََّهِ جَمِيعًا وَلََا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللََّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدََاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوََانًا وَكُنْتُمْ عَلى ََ شَفََا حُفْرَةٍ مِنَ النََّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهََا} [آل عمران: 102و 103] جعلنا الله وإياكم ممن تتبع رضوانه، وتجنب سخطه، فإنما نحن به وله.

إن الله بعث محمدا صلّى الله عليه وسلّم بالدين، واختاره على العالمين، واختار له أصحابا

على الحقّ، ووزراء دون الخلق، اختصهم به، وانتخبهم له، فصدقوه، ونصروه، وعزروه، ووقروه، فلم يقدموا إلا بأمره، ولم يحجموا إلا عن رأيه، وكانوا أعوانه بعهده، وخلفاءه من بعده، فوصفهم فأحسن صفتهم، وذكرهم فأثنى عليهم، فقال وقوله الحقّ: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللََّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدََّاءُ عَلَى الْكُفََّارِ رُحَمََاءُ بَيْنَهُمْ تَرََاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللََّهِ وَرِضْوََانًا سِيمََاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذََلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرََاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى ََ عَلى ََ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرََّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفََّارَ وَعَدَ اللََّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصََّالِحََاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} (29) [الفتح: 29] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت