وقال الأحنف: لا تعدّنّ شتم الوالي شتما، ولا إغلاظه إغلاظا فإن ريح العزة تبسط اللّسان بالغلظة في غير بأس ولا سخط.
وقال: لا تنقبضوا عن السّلطان ولا تتهالكوا عليه، فإنه من أشرف للسلطان ازدراه، ومن تفرغ له تخطاه.
وقال: ما جلست مذ كنت مجلس قلعة ولا رددت على كفو مقالة تسوءه ولا خاصمت في أمر كريهة لي لأنّ ما بذلت لصاحبها أكثر مما أخاصمه فيه من أجلها.
وقال: كفى بالرجل حزما إذا اجتمع عليه أمران، فلم يدر أيّهما الصّواب أن ينظر أغلبهما عليه فيحذره.
ولما حكّم أبو موسى أتاه الأحنف فقال: يا أبا موسى. إن هذا مسير له ما بعده من عزّ الدنيا أو ذلّها آخر الدهر. ادع القوم إلى طاعة عليّ، فإن أبوا فادعهم إلى أن يختار أهل الشام من قريش العراق من أحبّوا، ويختار أهل العراق من قريش الشام من أحبّوا. وإباك إذا لقيت ابن العاص أن تصافحه بنية أو أن يقعدك على صدر المجلس، فإنها خديعة، أو أن يضكّك وإياه بيت يكمن لك فيه الرجال، ودعه فليتكلم لتكون عليه بالخيار، فإن الباديء مستغلق، والمجيب ناطق.
فما عمل أبو موسى إلا بخلاف ما أشار به. فقال له الأحنف والتقيا بعد ذلك: أدخل والله قدميك في خفّ واحد.
وقال بخراسان: يا بني تميم، تحابّوا وتباذلوا تعتدل أموركم، وابدؤوا بجهاد بطونكم، وفروجكم يصلح دينكم، ولا تغلّوا يسلم لكم جهادكم.
وقال لأهل الكوفة: نحن أبعد منكم سريّة. وأعظم منكم تجربة، وأكثر منكم ذرّية، وأعدى منكم برّية.
ولما قدمت الوفود على عمر قام هلال بن بشر. فقال: يا أمير المؤمنين، إنا غرّة من خلفنا من قومنا، وسادة من وراءنا من أهل مصرنا، وإنك إن تصرفنا بالزّيادة في أعطياتنا، والفرائض لعيالاتنا يزدد بذلك الشريف تأميلا، وتكن لهم أبا وصولا، وإن تكن مع ما نمتّ به من فضائلك، وندلي بأسبابك كالجدّ لا
يحلّ ولا يرحل نرجع بآنف مصلومة، وجدود عاثرة، فمحنا وأهالينا بسجل مترع من سجالك المترعة.