ولئلا يغتروا بقواهم، وكثرة عددهم وأموالهم؛ فإن مكذبي موسى - عليه السلام - كانوا أكثر أموالا وأولادا وأعدادا، وأشد بطشا؛ فلم يغنهم ذلك من اللَّه - تعالى - شيئا.
وجائز أن يكون خص ذكر موسى - عليه السلام - وفرعون ونبأهما؛ لأن خبره كان منتشرا فيما بين أهل مكة؛ لأنهم كانوا جيرة اليهود الذين عندهم نبأ موسى - عليه السلام - وفرعون، فكانوا يخبرونهم بما حل بفرعون وقومه بتكذيبهم الرسول؛ فذكرهم نبأ موسى - عليه السلام - لينتهوا عما هم عليه من التكذيب.
ولأن لله تعالى أن يحتج عليهم بآحاد الحجج، وله أن يحتج عليهم بجملتها؛ إذ في ذلك قطع الشبه، وإزاحة العذر.
أو ذكرهم نبأ موسى - عليه السلام - وقومه؛ لأن العهد بهم كان أقرب؛ إذ قومه كانوا آخر قوم استؤصلوا في الدنيا.
وقوله: (فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا(16) .
أي: شديدا: ومنه: المطر الشديد يسمى الوابل.
وقال أبو بكر: اسم لكل معضلة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا(17)
فهو يحتمل أوجها:
أحدها: أي: كيف تتقون النار في الآخرة إذا سلكتم في الدنيا سبيلها - وهو الكفر - وأنتم تعلمون أن من سلك طريقا لشيء ولا منفذ لذلك الطريق إلا إلى ذلك الشيء؛ فإنه يرد عليه لا محالة.
أو كيف تتقون النار في الآخرة، وقد تركتم القيام بما عليكم من شكر النعم.
أو كيف تتقون العذاب في الآخرة وأنتم تدفعون إليها، وتضطرون بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ) ، وبقوله: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ) ، وبقوله: (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ) ، وقد مكنتم في الدنيا من الإيمان باللَّه تعالى، ومكنتم من الانتهاء عن الكفر، ثم لم تنقلعوا عنه، فأنى يتهيأ لكم المخلص من عذابه، وأنتم تدفعون إليه.