وظلم يملأ الفودين شيباً.. (1)
وقال: كيف يفضل هذا التشبيه الذي في القرآن على بيت المعري ؟ فقلت: من وجوه الأول: أن امتلاء الفودين من الشيب ليس بعجب ، أما صيرورة الولدان شيباً فهو عجيب كأن شدة ذلك اليوم تنقلهم من سن الطفولية إلى سن الشيخوخة ، من غير أن يمروا فيما بين الحالتين بسن الشباب ، وهذا هو المبالغة العظيمة في وصف اليوم بالشدة وثانيها: أن امتلاء الفودين من الشيب معناه أبيضاض الشعر ، وقد يبيض الشعر لعلة مع أن قوة الشباب تكون باقية فهذا ليس فيه مبالغة ، وأما الآية فإنها تدل على صيرورة الولدان شيوخاً في الضعف والنحافة وعدم طراوة الوجه ، وذلك نهاية في شدة ذلك اليوم وثالثها: أن امتلاء الفودين من الشيب ، ليس فيه مبالغة لأن جانبي الرأس موضع للرطوبات الكثيرة البلغمية ، ولهذا السبب ، فإن الشيب إنما يحدث أولاً في الصدغين ، وبعده في سائر جوانب الرأس ، فحصول الشيب في الفودين ليس بمبالغة إنما المبالغة هو استيلاء الشيب على جميع أجزاء الرأس بل على جميع أجزاء البدن كما هو مذكور في الآية ، والله أعلم.
النوع الثاني: من أهوال يوم القيامة قوله: {السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ} وهذا وصف لليوم بالشدة أيضاً ، وأن السماء على عظمها وقوتها تنفطر فيه ، فما ظنك بغيرها من الخلائق ، ونظيره قوله:
{إِذَا السماء انفطرت} [الانفطار: 1] وفيه سؤالان:
السؤال الأول: لم لم يقل: منفطرة ؟ الجواب من وجوه: أولها: روى أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء ، إنما قال: {السَّمَاء مُنفَطِرٌ} ولم يقل: منفطرة لأن مجازها مجاز السقف ، تقول: هذا سماء البيت وثانيها: قال الفراء: السماء تؤنث وتذكر ، وهي ههنا في وجوه التذكير وأنشد شعراً:
فلو رفع السماء إليه قوما.. لحقنا بالنجوم مع السحاب
وثالثها: أن تأنيث السماء ليس بحقيقي ، وما كان كذلك جاز تذكيره.
قال الشاعر:
والعين بالإثمد الخيري مكحول.. وقال الأعشى:
(1) الرواية: وجنح يملأ الفودين شيبا ولكن يجعل الصحراء خالا