قال: وأخبرني ناس محققون في علم الكلام والحكمة أنها أخبرت عن أمور غائبة بالتفصيل ، فكانت على وفق خبرها.
وبالغ أبو البركات في كتاب التعبير في شرح حالها وقال: فحصت عن حالها ثلاثين سنة ، فتحققت أنها كانت تخبر عن المغيبات إخباراً مطابقاً.
وأيضاً فإنا نشاهد ذلك في أصحاب الإلهامات الصادقة ، وقد يوجد ذلك في السحرة أيضاً ، وقد نرى الأحكام النجومية مطابقة ، وإن كانت قد تتخلف ، ولو قلنا إن القرآن يدل على خلاف هذه الأمور المحسوسة لتطرّق الطعن إلى القرآن ، فيكون التأويل ما ذكرنا ، انتهى كلامه.
قلت: أما قوله إذ لا صيغة عموم في غيبه ، فباطل ، فإن إضافة المصدر واسم الجنس من صيغ العموم ، كما صرّح به أئمة الأصول وغيرهم.
وأما قوله: أو هو استثناء منقطع ، فمجرّد دعوى يأباه النظم القرآني.
وأما قوله: إن شقاً وسطيحاً إلخ ، فقد كانا في زمن تسترق فيه الشياطين السمع ، ويلقون ما يسمعونه إلى الكهان ، فيخلطون الصدق بالكذب ، كما ثبت في الحديث الصحيح.
وفي قوله: {إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة} [الصافات: 10] ونحوها من الآيات ، فباب الكهانة قد ورد بيانه في هذه الشريعة ، وأنه كان طريقاً لبعض الغيب بواسطة استراق الشياطين حتى منعوا ذلك بالبعثة المحمدية.
وقالوا: {وأَنَاْ لَمَسْنَا السماء فوجدناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مقاعد لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآن يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} [الجن: 8 9] فباب الكهانة في الوقت الذي كانت فيه مخصوص بأدلته ، فهو من جملة ما يخصص به هذا العموم ، فلا يرد ما زعمه من إيراد الكهانة على هذه الآية.