ثم الذي تحقق كون هذا الخبر وهو أن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا في حق الكفرة - انقطاع الكهنة بعد ذلك، ولو كان الأمر على خلاف هذا، لكانوا لا ينقطعون؛ لأن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء فيأتون الكهنة بما يستمعون من الأخبار، ويلقونها إليهم؛ فيضلون بها الخلق، فلو لم يمنعوا عن السماء لكانوا لا ينقطعون، ومن ادعى الكهانة اليوم فلا تجد عنده خبرا حادثا سوى ما تلقفوه من ألسن الرسل عليهم السلام، وكان أمر الشهاب أمرا ظاهرا، عرفته الكفرة فيما بينهم؛ فكانت هذه حجة سماوية لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مقررة عند الكفرة رسالته؛ إذ لم يدع أحد منهم بكون الشهاب قبل أن يبعث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ، فصار انقطاع الكهنة دليلا على صدقه في مقالته، واللَّه المستعان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ...(2) .
أي: إلى الحق، على ما ذكرنا بيانه في سورة الأحقاف في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ) .
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا) .
قال أبو بكر الأصم: إنهم كانوا من مشركي العرب، فتبرءوا من الشرك لما استمعوا وسمعوا من القرآن بقولهم: (وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) ، وقد يحتمل هذا الذي قالوا.
ويحتمل أنه لم يسبق منهم الإشراك؛ بل كانوا من جملة الموحدين، ولكنهم أحدثوا إيمانا بما سمعوا من القرآن، وأحدثوا تبرءًا من الشرك، وقد يتبرأ المرء من الشرك عندما يحدث له زيادة إيقان وإن لم يسبق منه الإشراك؛ كما قال موسى - عليه السلام -: (قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) .
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا(3) .
اختلف في تأويل الجد: