القاموس لأن كتب اللغة مشحونة بالْمَجَاز، ولو لم يكن الأمر كَذَلكَ لا يستقيم قول صاحب
الكَشَّاف، ولذا قال المحشي: وما وقع في السراجية وأصحاب هذه السهام اثني عشر نفرًا إما
تجوزًا أو سهوًا. ولو ترك أو سهوا لكان أسلم. وما نقل عن المجمل: الرهط والنفر يستعمل
إلى الأربعين فهو مشعر بكونه مَجَازًا حيث قال يستعمل ويمكن المناقشة في قوله إلَى
الأربعين؛ إذ باب الْمَجَاز مفتوح. وبما ذكرنا يحصل التلفيق بين كلماتهم المختلفة وهو لا
يَخْتَصُّ بالْإنْسَان لأنه أطلق هنا عَلَى الجن والحمل عَلَى الْمَجَاز بعيد.
قوله: (والجن أجسام عاقلة خفية) ولذا يكلفون بالتكاليف الشرعية مثل الْإنْسَان.
وللإشَارَة إليه ذكر قيد عاقلة خفية. أي قابلة للخفاء وهو من شأنها لا أنها لا ترى أصلًا. قال
المص في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ)
ورؤيتهم إيانا من حيث لا [نراهم في الْجُمْلَة لا تقتضي امتناع رؤيتهم وتمثلهم] لنا. ونفي
الامتناع لا يدل عَلَى الوقوع. قال الإمام: فلو قدر جني عَلَى أية صورة شاء لارتفع الأمان
حيث اشتبه علينا أن ما رأينا ولدي أو زوجتي مثلًا أو جني صور بصورة ولدي أو زوجتي.
وبهذا ظهر ضعف ما قيل في حل قول المصنف يعني أنها مطلقة عامة لا دائمة فلا ينافي أن
يراءوا في بعض الأحوال ففيه رد عَلَى الزمخشري حيث زعم أن في الآية دلالة عَلَى عدم
رؤيتهم؛ إذ الظَّاهر أن كلام الشَّيْخَيْن متحد مآلًا؛ إذ الْمُصَنّف نفى الامتناع، ويجوز أن الشيء
ممكنًا في نفسه ولا يوجد بالْفعْل كما فيما نحن فيه، فإنه ليس بممتنع لكن لم [تقع] الرؤية لما
ذكره الإمام في صورة التمثيل وفي صورته الخاصة به لعدم التمحل، وأما رواية ابن مسعود
-رضي الله تَعَالَى عنه - رأى حين نصيبين في ليلة الجن فعلى تقدير صحته كان ذلك معجزة
لرسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ وكرامة لابن مسعود - رضي الله تَعَالَى عنه - والْمُرَاد عدم رؤيته لا
بطَريق خرق العادة. ولو قيل إن الجن يتمثل بصورة بحَيْثُ لا يشتبه عَلَى أحد كونه جنيًا
بأمارة فيرى لنا لارتفع النزاع.
قوله: (تغلب عليهم النارية أو الهوائية) النارية أي أنهم مركبون من العناصر الأربعة
لكن غالب الأجزاء فيهم النَّار لقَوْله تَعَالَى: (مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ) وهذا
مذهب الحكماء والمذهب الحق أنهم خلقوا من نار صرفة فقط، كما أن الْإنْسَان خلق من
طين أو الهوائية. أي أو الغالب فيهم الهوائية وهو ضعيف غير مُتَعَارَف لمخالفة ظَاهر قوله
تَعَالَى: (مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ) .
قوله: (وقيل نوع من الأرواح المجردة. وقيل نفوس بشرية مفارقة عن أبدانها) من
الأرواح المجردة فحِينَئِذٍ لا يكون حالًا في الأجسام كما لا يكون أجسامًا فتلك الجواهر
ماهيتها مختلفة فبعضها خيرية وبعضها شرية. وقيل نفوس بشرية فإن استكملت بالعلم
والْكَمَالات ازدادت كمالًا وقوة وإلا بقيت عَلَى غوايتها. وهذان الْقَوْلان الأخيران قول
الفلاسفة والمتفلسفة يَنْبَغي أن لا يتعرض لها في الكتب الشرعية فإن بطلانها أظهر من
أن يخفى.