زعم أصحابنا أنه لا مؤثر إلا قدرة الله تعالى ، وأبطلوا القول بالطبائع على ما يقوله الفلاسفة ، وأبطلوا القول بالمتولدات على ما يقوله المعتزلة ، وأبطلوا القول بكون العبد موجداً لأفعال نفسه ، واحتجوا على الكل بأن الآية دالة على أنه تعالى قادر على كل شيء ، فلو وقع شيء من الممكنات لا بقدرة الله بل بشيء آخر ، لكان ذلك الآخر قد منع قدرة الله عن التأثير فيما كان مقدوراً له وذلك محال ، لأن ما سوى الله ممكن محدث ، فيكون أضعف قوة من قدرة الله ، والأضعف لا يمكن أن يدفع الأقوى.
المسألة الخامسة:
هذه الآية دالة على أن الإله تعالى واحد ، لأنا لو قدرنا إلهاً ثانياً ، فإما أن يقدر على إيجاد شيء أو لا يقدر ، فإن لم يقدر ألبتة على إيجاد شيء أصلاً لم يكن إلهاً ، وإن قدر كان مقدور ذلك الإله الثاني شيئاً ، فيلزم كونه مقدوراً للإله الأول لقوله: {وَهُوَ على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} فيلزم وقوع مخلوق بين خالقين وهو محال ، لأنه إذا كان واحد منهما مستقلاً بالإيجاد ، يلزم أن يستغني بكل واحد منهما عن كل واحد منهما ، فيكون محتاجاً إليهما ، وغنياً عنهما ، وذلك محال.
المسألة السادسة:
احتج جهم بهذه الآية على أنه تعالى ليس بشيء فقال: لو كان شيئاً لكان قادراً على نفسه لقوله: {وَهُوَ على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} لكن كونه قادراً على نفسه محال ، فيمتنع كونه شيئاً ، وقال أصحابنا لما دل قوله: {قُلْ أَيُّ شَيْء أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله شَهِيدٌ} [الأنعام: 19] على أنه تعالى شيء وجب تخصيص هذا العموم ، فإذاً هذه الآية قد دلت على أن العام المخصوص وارد في كتاب الله تعالى ، ودلت على أن تخصيص العام بدليل العقل جائز بل واقع.
المسألة السابعة: