ولما ذكر الدال على القدرة أتبعه غايته ، وهو الحكم الذي هو خاصة الملوك فقال تعالى: {ليبلوكم} أي يعاملكم وهو أعلم بكم من أنفسكم معاملة المختبر لإظهار ما عندكم من العمل بالاختيار {أيكم أحسن عملاً} أي من جهة العمل أي عمله أحسن من عمل غيره ، وعبارة القرآن في إسناد الحسن إلى الإنسان تدل على أن من كان عمله أحسن كان هو أحسن ولو أنه أبشع الناس منظراً ، ومن كان عمله أسوأ كان بخلاف ذلك ، والحسن إنما يدرك بالشرع ، فما حسنه الشرع فهو الحسن وما قبحه فهو القبيح ، وكان ذلك مفيداً للقيام بالطاعة لأن من تفكر في حاله علم أنه مباين لبقية الحيوانات بعقلة وللنباتات بحياته ، وللجمادات بنموه ، وأن ذلك ليس له من ذاته بدليل موته ، فما كان له ذلك إلا بفاعل مختار ، له الحياة من ذاته ، فيجتهد في رضاه باتباع رسله إن كان عاقلاً ، فيشكره إذا أنعم ، ويصبر إن امتحن وانتقم ، ويخدمه بما أمر وينزجر عما عنه زجره ، فهذه الآية مشتملة على وجود المقتضي للسعادة وانتفاء المانع منها ووجود المقتضي إعداد وإرشاد ، فالإعداد إعانته سبحانه للعبد بإعداده لقبول السعادة كالحداد يلين الحديد بالنار ليقبل أن يكون سكيناً ، والإرشاد أخذه بالناصية إلى ما أعد له كالضرب بالسكين وإصلاحها للقطع بها ، وانتفاء المانع هو الموقف عن ذلك وهو دفع المشوشات والمفسدات كتثلم السكين وهو يجري السبب وسبب السبب ، وهو ما اشتمل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم ـ