{ِفَبِأَيِّ آلاء} نِعَم {رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أيها الثقلان.
يدل عليه ما أخبرنا الحسين بن محمد قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن مسلم الحنبلي قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن عبدالخالق قال: حدّثنا عبدالوهاب الوراق قال: حدّثنا أبو إبراهيم الترجماني قال: حدّثنا هشام بن عمار الدمشقي ، قال: حدّثنا الوليد بن مسلم قال: حدّثنا وهب ابن محمد عن ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرَّحْمن حتى ختمها .
ثم قال:"ما لي أراكم سكوتاً؟ للجن أحسن منكم ردّاً ، ما قرأت عليهم هذه الآية مرة {فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} إلاّ قالوا: ولا بشيء من نعمك ربّنا نكذب".
وقيل: خاطب بلفظ التثنية على عادة العرب ، وقد مضت هذه المسألة في قوله سبحانه: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} [ق: 24] .
وأما الحكمة من تكرارها فقال القتيبي: إن الله سبحانه وتعالى عدّد في هذه السورة نعماه ، وذكّر خلقه آلاءه . ثم أتبع ذكر كلّ كلمة وضعها ، ونعمة ذكرها بهذه الآية ، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقرّرهم بها ، وهو كقولك لرجل: أحسنت إليه وتابعت بالأيادي ، وهو في كل ذلك ينكرك ويكفرك: ألم تكن فقيراً فأغنيتك؟ أفتنكر؟ ألم تكن عرياناً فكسوتك؟ ، أفتنكر هذا؟ ألم أحملك وأنت راحل؟ أفتنكر هذا؟ ألم تكن خاملاً فعززتك؟ ، أفتنكر هذا؟ ألم تكن صرورة فحججت بك؟ أفتنكر هذا؟ والتكرار سايغ في كلام العرب ، حسن في مثل هذا الموضع . قال الشاعر:
المم سلومه المم المم ... وقال الآخر:
كم نعمة كانت لكم ... كم كم وكم
وقال آخر:
فكادت فرارة تصلى بنا ... فأولى فرارة أولى فراراً
وقال آخر:
لا تقطعن الصديق ماطرفت ... عيناك من قول كاشح أشر
ولا تملّنّ من زيارته ... زره وزره وزر وزر وزر
وقال الحسين بن الفضل: التكرار لطرد الغفلة وتأكيد الحجة .