وأما الثاني: فرفعه على أنه مبتدأ محذوف الخبر ، أي: عليكم سلام ، وعدل به إلى الرفع لقصد إفادة الجملة الاسمية للدوام والثبات ، بخلاف الفعلية فإنها لمجرد التجدّد والحدوث ، ولهذا قال أهل المعاني: إن سلام إبراهيم أبلغ من سلام الملائكة ، وقرئ بالرفع في الموضعين ، وقرئ بالنصب فيهما.
وقرأ أهل الكوفة إلاّ عاصماً بكسر السين ، وقرئ (سلم) فيهما ، {قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} ارتفاع قوم على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي: أنتم قوم منكرون.
قيل: إنه قال هذا في نفسه ولم يخاطبهم به ؛ لأن ذلك يخالف الإكرام.
قيل: إنه أنكرهم لكونهم ابتدءوا بالسلام ، ولم يكن ذلك معهوداً عند قومه ، وقيل: لأنه رأى فيهم ما يخالف بعض الصور البشرية ، وقيل: لأنه رآهم على غير صورة الملائكة الذين يعرفهم ، وقيل غير ذلك.
{فَرَاغَ إلى أَهْلِهِ} قال الزجاج: أي: عدل إلى أهله ، وقيل: ذهب إليهم في خفية من ضيوفه ، والمعنى متقارب ، وقد تقدم تفسيره في سورة الصافات.
يقال: راغ وارتاغ بمعنى طلب ، وماذا يريغ أي: يريد ويطلب ، وأراغ إلى كذا: مال إليه سرًّا وحاد {فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ} أي: فجاء ضيفه بعجل قد شواه لهم ، كما في سورة هود:
{بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} [هود: 69] وفي الكلام حذف تدل عليه الفاء الفصيحة ، أي: فذبح عجلاً فحنذه فجاء به {فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ} أي: قرّب العجل إليهم ووضعه بين أيديهم فقَال: {أَلاَ تَأْكُلُونَ} الاستفهام للإنكار ، وذلك أنه لما قربه إليهم لم يأكلوا منه.
قال في الصحاح: العجل: ولد البقر والعجول مثله ، والجمع العجاجيل ، والأنثى عجلة ، وقيل: العجل في بعض اللغات الشاة {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} أي: أحسّ في نفسه خوفاً منهم لما لم يأكلوا مما قرّبه إليهم.
وقيل: معنى أوجس: أضمر ، وإنما وقع له ذلك لما لم يتحرموا بطعامه.