ومن أخلاق الناس أن من أكل من طعام إنسان صار آمناً منه ، فظن إبراهيم أنهم جاءوا للشرّ ، ولم يأتوا للخير.
وقيل: إنه وقع في قلبه أنهم ملائكة ، فلما رأوا ما ظهر عليه من أمارات الخوف قالوا: {لاَ تَخَفْ} وأعلموه أنهم ملائكة مرسلون إليه من جهة الله سبحانه {وَبَشَّرُوهُ بغلام عَلَيمٍ} أي: بشروه بغلام يولد له كثير العلم عند أن يبلغ مبالغ الرجال ، والمبشر به عند الجمهور هو إسحاق.
وقال مجاهد وحده: إنه إسماعيل ، وهو مردود بقوله: {وبشرناه بإسحاق} [الصافات: 112] وقد قدّمنا تحقيق هذا المقام بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره.
{فَأَقْبَلَتِ امرأته فِى صَرَّةٍ} لم يكن هذا الإقبال من مكان إلى مكان ، وإنما هو كقولك: أقبل يشتمني ، أي: أخذ في شتمي ، كذا قال الفراء ، وغيره.
والصرّة: الصيحة والضجة ، وقيل: الجماعة من الناس.
قال الجوهري: الصرّة: الضجة والصيحة ، والصرّة: الجماعة ، والصرّة: الشدّة من كرب أو غيره ، والمعنى: أنها أقبلت في صيحة ، أو في ضجة ، أو في جماعة من الناس يستمعون كلام الملائكة ، ومن هذا قول امرئ القيس:
فألحقه بالهاديات ودونه... جراجرها في صرّة لم تزيل
وقوله: {فِى صَرَّةٍ} في محل نصب على الحال {فَصَكَّتْ وَجْهَهَا} أي: ضربت بيدها على وجهها ، كما جرت بذلك عادة النساء عند التعجب.
قال مقاتل ، والكلبي: جمعت أصابعها ، فضربت جبينها تعجباً.