أيضًا بوجه الحرق بالنار، واعلم وفقك الله إنما أقسم بقسم إلا مطابقًا معناه لمعان
في المقسم من أجله سراج منير يهدي به الله من يشاء، وإنما يعمي عن رؤية ذلك
ظواهر أشخاص المحسوسات، ويصم عن سماع ندائها ضوضاء المشاهدات، لولا
ذلك لنودوا بها من مكان قريب: (ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ ...(14) . أي: ذوقوا صدكم
عن سجيا الله وانصرافكم عن هدايته، فتنوا الناس في الدنيا بالضلال عن الهدى
وافتتنوا ففتنوا في الآخرة بالنار، أحرقوا وفتنوا بذلك أيضًا عما صار إليه أهل
الإيمان والاستجابة لله والرسول من الثواب والنعيم المقيم.
قوله تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ... (16)
آتاهم في الدنيا الإيمان والعمل بالطاعة وفي الآخرة جزاء
ذلك جوار ربهم.
ومثال نزل أعده لهم قوله - جلَّ جلالُه -: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ ... (21)
اكما قال: (وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ(4)
فأما الآيات التي في الأرض فقد تقدم ذكر البعض منها في صدر
الكتاب، والمشار إليه منها هاهنا على الأكثر هي آلاؤه - جلَّ جلالُه - منها حكمته في الأمم
الماضية من إهلاك من أهلكه منهم، وإنجاء من أنجاه وأكرمه من أوليائه.
وأما قوله: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ) فإنه من نظر في نفسه بإيمان صحيح وعقل
مسترشد عرف نفسه، يعلم بذلك أنه عبد، وفي علمه بذلك أن الله له رب وبعلمه
ذلك يعلم أسماءه وصفاته، ثم بإيمانه ذلك يعلم أنه واحد أحد، وأنه(لَيْسَ كَمِثْلِهِ
شَيْءٌ)وأن (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)
(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وهو العلي الكبير، فافهم فهمنا الله وَإياك، فقد حصلت على [الجادة]
وجمع لك المقصود في أطراف الكلام.
لذلك ختم بقوله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه: (أَفَلَا تُبْصِرُونَ)
فإنك لو وقفت بعقلك وصحيح إيمانك على فطره إياك وإخراجك من عدمك إلى
وجودك، وإنك لم تكن قط عدمًا له إنما كنت عدمًا لنفسك، بل كان يراك ويسمع