لقد أبيحت لهما كل ثمار الجنة.. إلا شجرة.. شجرة واحدة ، ربما كانت ترمز للمحظور الذي لا بد منه فِي حياة الأرض. فبغير محظور لا تنبت الإرادة ، ولا يتميز الإنسان المريد من الحيوان المسوق ، ولا يمتحن صبر الإنسان على الوفاء بالعهد والتقيد بالشرط. فالإرادة هي مفرق الطريق. والذين يستمتعون بلا إرادة هم من عالم البهيمة ، ولو بدوا فِي شكل الآدميين!
{فأزلهما الشيطان عنها ، فأخرجهما مما كانا فيه} ..
ويا للتعبير المصور: {أزلهما} .. إنه لفظ يرسم صورة الحركة التي يعبر عنها. وإنك لتكاد تلمح الشيطان وهو يزحزحهما عن الجنة ، ويدفع بأقدامهما فتزل وتهوي!
عندئذ تمت التجربة: نسي آدم عهده ، وضعف أمام الغواية. وعندئذ حقت كلمة الله ، وصرح قضاؤه:
{وقلنا: اهبطوا.. بعضكم لبعض عدو ، ولكم فِي الأرض مستقر ومتاع إلى حين} ..
وكان هذا إيذاناً بانطلاق المعركة فِي مجالها المقدر لها. بين الشيطان والإنسان. إلى آخر الزمان.
ونهض آدم من عثرته ، بما ركب فِي فطرته ، وأدركته رحمة ربه التي تدركه دائما عندما يثوب إليها ويلوذ بها.
{فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ، إنه هو التواب الرحيم} ..
وتمت كلمة الله الأخيرة ، وعهده الدائم مع آدم وذريته. عهد الاستخلاف فِي هذه الأرض ، وشرط الفلاح فيها أو البوار.
{قلنا: اهبطوا منها جميعاً. فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ..
وانتقلت المعركة الخالدة إلى ميدانها الأصيل ، وانطلقت من عقالها ما تهدأ لحظة وما تفتر. وعرف الإنسان فِي فجر البشرية كيف ينتصر إذا شاء الانتصار ، وكيف ينكسر إذا اختار لنفسه الخسار...
وبعد فلا بد من عودة إلى مطالع القصة. قصة البشرية الأولى.