إنه التكريم فِي أعلى صوره ، لهذا المخلوق الذي يفسد فِي الأرض ويسفك الدماء ، ولكنه وهب من الأسرار ما يرفعه على الملائكة. لقد وهب سر المعرفة ، كما وهب سر الإرادة المستقلة التي تختار الطريق.. إن ازدواج طبيعته ، وقدرته على تحكيم إرادته فِي شق طريقه ، واضطلاعه بأمانة الهداية إلى الله بمحاولته الخاصة.. إن هذا كله بعض أسرار تكريمه.
ولقد سجد الملائكة امتثالاً للأمر العلوي الجليل..
{إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين} ..
وهنا تتبدى خليقة الشر مجسمة: عصيان الجليل سبحانه! والاستكبار عن معرفة الفضل لأهله. والعزة بالإثم. والاستغلاق عن الفهم.
ويوحي السياق أن إبليس لم يكن من جنس الملائكة ، إنما كان معهم. فلو كان منهم ما عصى. وصفتهم الأولى أنهم {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} .. والاستثناء هنا لا يدل على أنه من جنسهم ، فكونه معهم يجيز هذا الاستثناء ، كما تقول: جاء بنو فلان إلا أحمد. وليس منهم إنما هو عشيرهم وإبليس من الجن بنص القرآن ، والله خلق الجان من مارج من نار. وهذا يقطع بأنه ليس من الملائكة.
والآن. لقد انكشف ميدان المعركة الخالدة. المعركة بين خليقة الشر فِي إبليس ، وخليفة الله فِي الأرض. المعركة الخالدة فِي ضمير الإنسان. المعركة التي ينتصر فيها الخير بمقدار ما يستعصم الإنسان بإرادته وعهده مع ربه ، وينتصر فيها الشر بمقدار ما يستسلم الإنسان لشهوته. ويبعد عن ربه:
{وقلنا: يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ، وكلا منها رغدا حيث شئتما ، ولا تقربا هذه الشجرة ، فتكونا من الظالمين} .