أي: يختار ويأخذ لهو الحديث بدل ما ينفعه في الآخرة، وهو استماع القرآن والعمل به، وعبارة"الروح"هاهنا: ولهو الحديث: كل ما يلهي ويشغل صاحبه عما يعني من المهمات، كالأحاديث التي لا أصل لها، والأساطير التي لا اعتداد بها، والأضاحيك، وسائر ما لا خير فيه من الكلام، والحديث: يستعمل في قليل الكلام وكثيره؛ لأنه يحدث شيئًا فشيئًا.
وقال أبو عثمان النهدي: كل كلام سوى كتاب الله، أو سنة رسوله، أو سيرة الصالحين فهو لهو، وفي"التأويلات النجمية": كل ما يشغل عن الله ذكره ويحجب عن الله سماعه، فهو لهو الحديث، والإضافة فيه بمعنى من البيانية، كما مر، إن أريد بالحديث المنكر, لأن اللهو يكون من الحديث ومن غيره، فأضيف العام إلى الخاص للبيان، كأنه قيل: من يشتري اللهو الذي هو الحديث، وبمعنى من التبعيضية إن أريد به الأعم من ذلك، كأنه قيل: من يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو منه، وأكثر أهل التفسير على أن الآية نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة، قتله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صبرًا، حين فرغ من وقعة بدر.
أي: كان يشتري بماله كتبًا فيها لهو الحديث، وباطل الكلام من فارس، ويحدث بها قريشًا في أنديتهم، ولعلها كانت مترجمة بالعربية. {لِيُضِلَّ} الناس ويصرفهم {عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} سبحانه؛ أي: عن دينه الحق الموصل إليه، أو ليضلهم ويمنعهم بتلك الكتب المزخرفة عن قراءة كتاب الله الهادي إليه، وإذا أضل غيره فقد ضل هو أيضًا، واللام فيه للتعليل.
وقرأ الجمهور: {لِيُضِلَّ} بضم الياء؛ أي: ليضل غيره عن طريق الهدى ومنهج الحق، وإذا أضل غيره فقد ضل في نفسه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن محيصن وحميد وورش وابن أبي إسحاق: بفتح الياء، أي: ليضل هو في نفسه، قال الزجاج: من قرأ بضم الياء .. فمعناه ليضل غيره، فإذا أضل غيره .. فقد ضل هو، ومن قرأ بفتح الياء .. فمعناه ليصير أمره إلى الضلال، وهو وإن لم يكن يشتري للضلالة فإنه يصير أمره إلى ذلك، فأفاد هذا التعليل أنه إنما يستحق الذم من اشترى لهو الحديث لهذا المقصد، ويؤيده سبب نزول الآية.