والبعض يقول: إن الله خيَّره بين أن يكون نبياً أو حكيماً ، فقال: أما وقد خيَّرتني يا رب ، فأنا أختار الراحة وأترك الابتلاء ، أما إنْ أردْتها يا رب عزمة فأنا سأقبلها سمعاً وطاعة ؛ لأني أعلم أنك لن تخذلني .
والحق سبحانه يُنطق لقمان بأشياء من الحكمة يسبق بها النبوة ؛ ليبين لنا أن الإنسان من الممكن أن يكون ربانياً ، كما جاء في الحديث القدسي:"عبدي ، أطعني تكُنْ ربانياً ، تقول للشيء كُنْ فيكون".
ذلك لأن فضل الله ليس له حدود ، وليس عليه حرج ، وبابه تعالى مفتوح ، المهم أن تكون أهلاً لأنْ تلِجَ هذا الباب ، وأنْ تكون في معية ربك دائماً .
ومما يُرْوَى من حكمة لقمان أنه غاب في سَفْرة ، ثم عاد فلقيه تابعه ، فقال له: مَا حال أبي؟ فقال: مات ، فقال لقمان: الآن ملكْتُ أمري ، ثم سأل: فما حال زوجتي؟ فقال: ماتت ، فقال: جدّدتُ فراشي ، ثم سأل عن أخته ، فقال: ماتت ، فقال: ستَر الله عِرْضي ، ثم سأل عن أخيه ، فقال: مات ، فقال: انقصم ظهري .
وهذا الكلام لا يصدر إلا عن حكمة ، فكثيراً ما يفرح الابن - خاصة العاق - بموت أبيه ؛ لأنه سيترك له المال يتمتع به ، أما لقمان فيقول عندما علم بموت أبيه: الآن ملكْتَ أمري ؛ لأنه في حياة أبيه كان له أمر ، لكن أمره ليس في يده إنما في يد أبيه ، فلما مات أبوه صار أمره بيده .
وهذه الحكمة توضح لنا قول النبي صلى الله عليه وسلم:"أنت وما ملكت يداك لأبيك"كأنه من العيب أن تقول في حياة أبيك: أنا أملك كذا وكذا . أما الآن فقد تجاوز الأبناء كل هذه القيم ، ونسمع الابن يقول لأبيه: اكتب لي كذا وكذا .
أما قوله:"جددت فراشي"فهي كلمة لها معنى كبير: أنا لا أُدخِل الجديدة على فراش القديمة حتى لا أجرح مشاعرها ، أو أنني لا أتزوج إلا بعد وفاة زوجتي الأولى ؛ ذلك لأن الغيرة طبع في النساء .