فهذه الذرية لو ظلتْ على حالها من الصفاء يوم كانت في ظهر آدم ويوم أخذ الله عليها العهد ، ولو التزمت منهج ربها في (افعل) و (لا تفعل) لكانت أهلاً لإلهام الله ؛ لأن آلة استقبالها عن الله سليمة .
وتأمل في وحي الله إلى أم موسى: {أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تحزني . .} [القصص: 7]
فأيُّ آلة استقبال هذه التي استقبلتْ هذا الأمر ونفذته دون أنْ تناقشه ، واطمأنتْ إليه قبل أنْ تفكر فيه؟ وكيف تقتنع الأم أن الموت المحقق يُنجي وليدها من موت مظنون؟
لذلك نقول: إذا صادف الإلهام آلة استقبال سليمة فإنه لا يوجد في النفس ما يصادره ، ولا ما يبحث عن دليل ، فقامت أم موسى ونفذت الأمر كما أُلقي إليها ، هذا هو الإيتاء .
ومنه أيضاً قوله تعالى: {فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} [الكهف: 65] والعبد الصالح لم يكن نبياً ، ومع ذلك آتاه الله بدون واسطة ، فكان هو مُعلِّماً للنبي ، وما ذلك إلا لأنه عبد لله على منهج موسى ، وأخلص لله تعالى فآتاه الله من عنده .
واقرأ قول الله تعالى: {يِا أَيُّهَا الذين آمنوا إِن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً . .} [الأنفال: 29] وقال سبحانه: {والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} [محمد: 17]
إذن: كلُّ ما علينا لنأخذ إلهامات الحق سبحانه أنْ نحتفظ بصفاء البنية التي خلقها الله لتظل بمواصفات خالقها ، ثم نسير بها على منهجه تعالى في افعل ولا تفعل ، وكان سيدنا لقمان من هذا النوع الصافي الطاهر النقي ، الذي لم يخالط جسمه حرام ، والذي لا يغفل عن منهج ربه ؛ لذلك آتاه الله الحكمة ، وقال فيه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة . .} [لقمان: 12]