وعبارة المراغي هنا: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ} ؛ أي: الذين يستعملون المواهب التي خلقها الله لعباده من عقل، ومشاعر، وحواس ترشدهم إلى النظر والاعتبار في غير ما خلقت له، حتى كأنّهم فقدوها، كما قال: {لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ} .
وهذا العهد الذي نقضوه هو العهد الفطريّ، وهناك عهد آخر جاءت به الشرائع، وهو العهد الدينيّ، وقد وثّق الله الأول بجعل العقول قابلة لإدراك السنن الإلهيّة التي في الكون، كما وثّق الثاني، بما أيّد به الأنبياء من الحجج والبراهين الدالة على صدقهم، فمن أنكر بعثة الرسل، ولم يهتد بهديهم، فهو ناقض لعهد الله، فاسق عن سننه في إبلاغ القوى البشريّة والنفسيّة حدّ الكمال الإنسانيّ الممكن لها.
وقرأ الجمهور: {يُضِلُّ} بضمّ الياء وكسر الضاد من (أضلّ) الرباعيّ المبني للفاعل في المواضع الثلاثة، والفاعل هو الله سبحانه وتعالى. وقرأ زيد بن عليّ {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ} في الثلاثة على البناء للمفعول. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة في الثلاثة على البناء للفاعل الظاهر مفتوح حرف المضارعة. وروي عن ابن مسعود: أنّه قرأ {يُضِلُّ} بضمّ الياء في الأول، {وما يضل به} بفتح الياء، و {الفاسقون} بالواو، وكذا أيضا: في القراءتين السابقتين، وهي قراءات متجهة في أنّها مخالفة للمصحف المجمع عليه.