إنّ الكرام كثير في البلاد وإن ... قلّوا كما غيرهم قلّ وإن كثروا
وفي «الروح» :
فَإِنْ قُلْتَ: لم وصف المهديّون بالكثرة والقلّة صفتهم؟
قلت: أهل الهدى كثير في أنفسهم، وحين يوصفون بالقلّة إنّما يوصفون بها بالقياس إلى أهل الضلال، وأيضا: فإنّ القليل من المهديّين كثير في الحقيقة، وإن قلّوا في الصورة؛ لأنّ هؤلاء على الحقّ، وهم على الباطل. وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: (السواد الأعظم هو الواحد على الحقّ) .
ثمّ أكمل الجواب، وزاد في البيان، فقال: {وَما يُضِلُّ} الله سبحانه {بِهِ} ؛ أي: بهذا المثل؛ أي: لا يخذل، ولا يذلّ بهذا المثل وتكذيبه {إِلَّا الْفاسِقِينَ} ؛ أي: إلّا الخارجين عن حدّ الإيمان والإخلاص إلى الكفر والنفاق، كاليهود والمنافقين.
أي: وما يضلّ بضرب المثل إلّا الذين خرجوا عن سنّة الله في خلقه،
وعمّا هداهم إليه بالعقل، والمشاعر، والكتب المنزلة على من أوتوها. وفي هذا إيماء إلى أنّ علّة إضلالهم، ما كانوا عليه من الخروج عن السنن الكونية التي جعلها عبرة لمن تذكّر، فقد انصرفت أنظارهم عن التدبّر في حكمة المثل إلى حقارة الممثّل به، حتى رسخت به جهالتهم، وازدادت ضلالتهم، فأنكروه.
والفسق في اللغة: الخروج، وفي الشرع: الخروج عن طاعة الله بارتكاب الكبيرة التي من جملتها الإصرار على الصغيرة، وله طبقات ثلاث:
الأولى: التغابي، وهو ارتكابها أحيانا مستقبحا لها.
والثانية: الانهماك في تعاطيها.
والثالثة: المثابرة عليها مع جحود قبحها، وهذه الطبقة من مراتب الكفر، فما لم يبلغها الفاسق لا يسلب عنه اسم المؤمن، لاتصافه بالتصديق الذي يدور عليه الإيمان.