وأسلوب الآية الرابعة الأخيرة يلهم أولا أنه بسبيل تقرير ما هو واقع أمر الناس من انتفاعهم بما خلق الله في الأرض من مختلف الأسباب والوسائل، وثانيا أن السامعين يسلمون بذلك ويعترفون به، وثالثا أن فيه تنويها أو تكريما لبني آدم الذين هم أكثر خلق الله انتفاعا بما خلق الله في الأرض حتى لكأنه خلقه لهم ولعل فيه بالإضافة إلى ذلك هدف التدليل على ما قررته الآية التي قبلها من قدرة الله على إحياء الناس بعد الموت، ومن كون مرجعهم إليه. والتدليل على هذه النقطة الأخيرة منطو في شطر هذه الآية الذي يقرر أن الله أحيا الناس بعد أن كانوا أمواتا- أي عدما على ما أوله جمهور المفسرين - مما يعترف به الكافرون المشركون حيث حكته عنهم آيات مكية عديدة. وفي كل هذا إلزام وإفحام للكفار وهو ما انطوى في السؤال التنديدي الإنكاري الذي بدأت به الآية الثالثة.
ولقد احتوت السور المكية تقريرات كثيرة مماثلة، والمتبادر أن حكمة التنزيل اقتضت تكراره بالأسلوب الذي جاء به في مطلع العهد المدني وبمناسبة اعتراض المنافقين.
والفقرة الأخيرة من الآية الرابعة جاءت تتمة أو استطرادا على ما هو المتبادر. ولقد علقنا على ما فيها من خلق الله الأرض وما فيها والسموات السبع في مناسبات سابقة تعليقا يغني عن التكرار.
تعليق على جملة وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ وما بعدها
وهذه الجملة من الجمل القرآنية المحكمة التي يصح أن تكون مفسرة لكل ما يأتي مطلقا من آيات الهدى والضلال، حيث ينطوي فيها تقرير كون الضلال هو نتيجة للفسق المنبثق عن سوء النية وخبث الطوية وفساد الخلق، وحيث يتسق هذا مع التقريرات القرآنية المحكمة في صدد كون الله قد بين للناس طريق الهدى والضلال بواسطة رسله وكتبه، وأودع فيهم قابلية التمييز والاختيار، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فإنما يضلّ عليها، مما نبهنا عليه في المناسبات الكثيرة السابقة.
وفي الآية التي تلي هذه الجملة وصف قوي للفاسقين، ومظاهر فسقهم نحو الله والناس فهم ينقضون عهد الله من بعد ما ارتبطوا به، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل من رحم، وفعل برّ وخير وتعاون وتضامن، ويفسدون في الأرض بأفعالهم وأقوالهم.