ولقد روى المفسرون عزوا إلى ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والتابعين روايتين كسبب لنزول الآية الأولى. واحدة تذكر أن الله لما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت والنمل قال المشركون أو قال اليهود والمشركون معا: ماذا أراد الله بذكر هذه الأشياء الخسيسة، وإنه أجل من أن يضرب بها الأمثال. والثانية جاء فيها أن الله لما ضرب المثلين اللذين وردا في الآيات السابقة أي مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً وكَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ للمنافقين قال المنافقون: الله أعلى وأجل من ضرب هذه الأمثال.
والمتبادر أن الرواية الثانية هي الأكثر مناسبة للمقام ولا يرد على هذا كون المنافقين لم يذكروا وإنما ذكر الَّذِينَ كَفَرُوا فوصف المنافق المتفق عليه هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر. وقد نعتهم القرآن بالكفر في آيات عديدة على ما ذكرناه في التعليق السابق عنهم. ولما كانت الآيات الثلاث منسجمة مع الآية الأولى موضوعا وهدفا، فالمتبادر كذلك أنها نزلت معا، وأن الآية الأولى لم تنزل لحدتها. وعلى ضوء هذه الرواية تبدو الصلة بين هذه الآيات وما قبلها واضحة.
ومن المحتمل أن تكون نزلت بعدها بسبيل الرد والتنديد بالكفار لاعتراضهم
وتمحلهم والتنويه بالمؤمنين لتصديقهم وحسن تلقيهم.
والرد ينطوي على حقيقة من الحقائق التي نبهنا عليها أكثر من مرة في المناسبات السابقة. وهي أن القرآن في أمثاله وتقريراته إنما يخاطب الناس بما يفهمونه وما هو مستمد من مألوفاتهم وأساليبهم لأجل التقريب لأذهانهم وإثارة انتباههم بقطع النظر عن ماهيته.