اتجه إلى ربه جل جلاله مناديا بالربوبية لأنها هي التي توجه وتربى النفوس، وتجعل الرجل ربانيا، وأول ما طلبه هو الحكم، وهو الحكمة الضابطة المانعة للنفوس من التردي في مهاوي الهوى، ومنازع الشيطان، والحكيم هو الذي يمنع نفسه ويحكم عليها بالتزام الجادة وسواء السبيل، ولقد قال أكثم بن صيفي: الصمت حكم وقليل فاعله، ونسب بعض الناس ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن الرجل المستقيم مبتدئ بنفسه فيروضها على الحكمة النافعة المهذبة، فإذا امتلأ قلبه بها اتجه اتجاها مستقيما، ونطق بالحق، وسلك طريق الحق، فكان الخلق المستقيم، وكانت المعاملات المستقيمة، وكانت الاستقامة في كل حياته، وقد دعا إبراهيم أن يهبه اللَّه حكما، يكون أولا على نفسه، وقال: (وَأَلْحقْنِي بِالصَّالحينَ) أي وفقني لكل أسباب الكمال، والعلو في النفس والخلق لألحقَ بأهل الكَمال والصلاح وأُعَدَّ في زمرة الأبرار.
والدعوة الثانية هي دعوة بالعاقبة، وهي قوله ضارعا إلى ربه:
(وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ(84)
الآخرين أي الذين يجيئون بعده، و (لِسَانَ صِدْقٍ) فيه إضافة اللسان للصدق أي بأن يكون الصدق مستغرقا له، بحيث لَا يقال عنه إلا ما هو صدق، وأن يكون اللسان صادقا دائما، وأن يمتد الصدق منه وفيه إلى ما بعده، وإن لسان الصدق يكون بعده يكون بأمور، منها أن يكون ذكره حسنا صادقا من بعده، بأن يكون أثرا محمودا من بعده، ويكون نافعا بعد مماته كما كان نافعا في حياته، ومنها أن تكون دعوته إلى الحق باقية من بعده يرددها الناس، ويدعون إليها، ومنها أن تكون له محبة ومودة بين الناس من بعده، كما كانوا يودونه فيِ حياته، كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا(96) .
هذا، وإن النص الكريم يدل على أن حب المحمدة بين الناس ليس أمرا غير صالح ما دام يقصد إليها النفع والخير، وعموم الإصلاح وما دام لَا يتعالى ولا يستطيل على الناس.
والدعوة الثالثة، هي ما ذكرنا بقوله:
(وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ(85)