إذن: أترفناهم يعني: وسَّعنا عليهم وأمددناهم بالنعم المختلفة ليزدادوا في كفرهم وطغيانهم ، على حَدِّ قوله تعالى: {َفَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حتى حِينٍ * أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} [المؤمنون: 54 - 56] .
إن الله تعالى يمدُّ لهؤلاء في وسائل الغيّ والانحراف ليزدادوا منها ، ويتعمقوا في آثامها لنتعمق نحن في عذابهم والانتقام منهم .
ثم يحكي القرآن عنهم هذه المقولة التي سارت على ألسنتهم جميعاً في كل الرسالات: {َمَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ . .} [المؤمنون: 33] وكأن هذه الكلمة أصبحتْ لازمة من لوازم المكذِّبين للرسل المعاندين لمنهج الله ، ثم يؤكدون على بشرية الرسول فيقولون: {َيَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} [المؤمنون: 33] ألم يقُل كفار مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِي فِي الأسواق . .} [الفرقان: 7] .
سبحان الله ، كأنهم يتكلمون بلسان واحد مع اختلاف الأمم وتباعد الأزمان ، لكن كما يقولون: الكفر ملة واحدة .
وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (34)
خاسرون إنْ أطعتم بشراً مثلكم ، لكنه بشر ليس مثلكم ، إنه بشر يُوحَى إليه ، فأنا لا أتبع فيه بشريته ، إنما أتبع ما ينزل عليه من الوحي .
أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35)