وفي موضع آخر قال سبحانه: {قِيلَ يا نوح اهبط بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وعلى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ . .} [هود: 48] لأنك ستنزل منها وليست هي مكان معيشتك .
وكذلك دعا النبي صلى الله عليه وسلم فقال كما حكى القرآن: {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ . .} [الإسراء: 80] .
فلا بُدَّ أن تذكر في النعمة المنعِمَ بها ، لذلك فالذين يُصابون في نعم الله عليهم بأعين الحاسدين ، ثِقْ تمام الثقة أنهم حين رأوْا نعمة الله عليهم لم يذكروا المنعِم بها ، ولو أن الإنسان حين يرى نعمة من نعم الله عليه في ماله أو ولده فيقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، ووضع النعمة في حماية المنعم لضمِن دوام نعمته وسلامتها من أعين الحاسدين ؛ لأنه وضعها تحت قانون الصيانة الإلهية .
ومعنى: {مُنزَلاً مُّبَارَكاً . .} [المؤمنون: 29] الشيء المبارك: الذي يعطي فوق ما يتصور من حجمه ، كأن يعيش شخص براتب بسيط عيشة كريمة ويُربِّي أولاده أفضل تربية ، فيتساءل الناس: من أين ذلك؟ ونقول: إنها البركة التي تحلّ في القليل فيصير كثيراً ، صحيح أن الوارد قليل لكن يُكثِّره قلة المنصرف منه .
وقد مثّلنا لذلك بواحد يرتزق من الحلال ، فيُيسِّر الله أمره ، ويقضي مصالحه بأيسر تكلفه ، فإذا مرض ولده مثلاً يشفيه الله بقرص أسبرين وكوب من الشاي ، ولا يفزع لمرضه ؛ لأنه مطمئن القلب ، راضي النفس ، واثق في معونة الله . أما الذي يتكسب من الحرام ويأكل الرشوة . . الخ إنْ مرض ولده يُهرع به إلى الأطباء ويتوقع في ولده أخطر الأمراض ، فإنِ ارتشى بعشرة صرف عليها مائة .
وسبق أن قلنا: إن هذه البركة هي رزق السَّلْب الذي لا يزيد من دخلك ، إنما يُقلِّل من مصروفاتك .