ومن هنا قالوا:"اتق شرَّ من أحسنت إليه"لماذا؟ لأنه يخزَى ساعة يراك ، وهو يريد أنْ يتعالى ، ووجودك يكسر عنده هذا التعالي .
إذن: وطِّنْ نفسك على أن الجميل قد يُنكَر حتى لو كان فاعله رب العزة سبحانه ، فلا يحزنك أنْ يُنكَر جميلك أنت .
وعن ذلك قال الشاعر:
يَسِير ذَوُو الحاجَاتِ خلفَكَ خُضَّعاً ... فَإنْ أدركُوهَا خلَّفوكَ وهَرْوَلُوا
وأفضلُهم مَنْ إنْ ذُكِرْت بسيءٍ ... توقَّفَ لا ينفي وقد يتقوّل
فَلا تَدعِ المعْروفَ مهما تنكَّروا ... فَإنَّ ثوابَ اللهِ أرْبَى وأجزَلُ
فالمعنى: إذا استويتَ أنت ومَنْ معك ، واستتبَّ لك الأمر على الفُلْك ، فإياك أنْ تغتَرّ أو تنأى بجانبك فتنسى حَمْد الله على هذه النعمة ؛ لذلك أمرنا حين نركب أي مركب أن نقول:"بسم الله مجريها ومرساها"لأنك ما أجريتها بمهارتك وقوتك ، إنما باسم الله الذي ألهم ، وباسم الله الذي أعان ، وباسم الله الذي تابعني ، ورعاني بعينه ، وما دُمْتَ تذكر المنعم عند النعمة وتعترف لصاحب الفضل بفضله يحفظها لك .
أما أنْ تنكرها على صاحبها ، وتنسبها لنفسك ، كالذي قال: {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عِندِي . .} [القصص: 78] فيقول: ما دام الأمر كذلك ، فحافظ أنت عليه .
حتى في ركوب الدَّابّة يُعلِّمنا صلى الله عليه وسلم أنْ نقول:"سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون".
وقوله تعالى: {الذي نَجَّانَا مِنَ القوم الظالمين} [المؤمنون: 28] وذكر النجاة لأن دَرْءَ المفسدة مُقدَّم على جَلْب المنفعة .
ثم يُعلِّمه ربه دعاءً آخر يدعو به حين تستقر به السفينة على الجُودي ، وعندما ينزل منها ليباشر حياته الجديدة على الأرض: {وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ . .}