قال المدائني: كان الحجّاج حسودا لا ينشيء صنيعة إلّا أفسدها فلمّا وجّه عمارة بن تميم اللّخمي إلى ابن الأشعث وعاد بالفتح حسده، فعرف ذلك عمارة، وكره منافرته، وكان عاقلا رفيقا فظل يقول: أصلح الله الأمير أنت أشرف العرب، من شرّفته شرف، ومن صغّرته صغر، وما ابن الأشعث وخلعه حتّى استوفد عبد الملك الحجّاج وسار عمارة معه يلاطفه ولا يكاشفه، وقدموا على عبد الملك، وقامت الخطباء بين يديه في أمر الفتح، فقام عمارة فقال: يا أمير المؤمنين سل
الحجاج عن طاعتي وبلائي، فقال الحجّاج: يا أمير المؤمنين، لقد أخلص الطّاعة، وأبلى الجميل، وأظهر البأس، من أيمن النّاس نقيبة، وأعفهم سيرة. فلما بلغ آخر التّقريظ قال عمارة: أرضيت يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم فرضي الله عنك. قال عمارة: فلا رضي الله عن الحجاج يا أمير المؤمنين، ولا حفظه ولا عافاه، وهو الأخرق السييء التّدبير، الذي قد أفسد عليك العراق، وألّب عليك الناس، وما أوتيت إلا من خرقه وقلة عقله، وفيالة رأيه [1] ، وجهله بالسّياسة، ولك يا أمير المؤمنين منه أمثالها إن لم تعزله. فقال الحجّاج: مه يا عمارة، فقال: لا مه ولا كرامة يا أمير المؤمنين، كلّ امرأة لي طالق وكلّ مملوك لي حرّ إن سرت تحت راية الحجاج أبدا. فقال عبد الملك: ما عندنا أوسع لك.
خطب رجل امرأة فقالت له: إنّ فيّ تقزّزا، وأخاف أن أرى منك بعض ما أتقزّز منه فتنصرف نفسي عنك. قال الرّجل: أرجو ألا تري ذلك. فتزوّجها فمكثت أيّاما ثمّ قعد معها يتغذّى فلما رفع الخوان تناول ما سقط من الطعام تحت الخوان فأكله، فنظرت إليه وقالت: أما كان يقنعك ما على ظهر الخوان حتّى تلتقط ما تحته قال: إنّه بلغني أنه يزيد في القوّة على الني، فكانت بعد ذلك تفعله، وتفتّ له الخبز كما تفت للفرّوج.
قال الكنديّ [2] : كان فيما مضى رجل زاهد وقع عليه من السلطان طلب، فبقي مدلّها لا يدري ما يصنع وذاك أنّه أذكيت عليه العيون، وأخذت له المراصد، فجاء إلى طنبور [3] ، فأخذه ولبس ثياب البطّالين، وتعرّض للخروج من باب البلد، فجاء إلى الباب وهو يتهادى في مشيته كالسّكران، فقالت العيون له عند الباب: من أنت؟ قال: من أنا؟ ومن ترى أكون؟ أنا فلان الزّاهد. وقاله متهزّئا. فقال القوم متضاحكين: ما أحمقه! وخلّوا سبيله. فخرج ونجا وإنّما فعل ذلك لئلّا يكذب.
(1) فيالة رأيه وفيولته: ضعفه.
(2) الكندي: هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح بن عمران بن إسماعيل بن محمد بن الأشعث الكندي البصري ثم البغدادي، المعروف بالكندي فيلسوف العرب وأحد أبناء ملوكها، كان عارفا بالطب والرياضيات والمنطق وسائر العلوم. ولد بالبصرة، وتوفي ببغداد سنة 260هـ، له المئات من المصنفات (انظر كشف الظنون 6/ 543537) .
(3) الطنبور: من آلات الموسيقي، فارسي معرب.