وأنشده إسحق الموصليّ مدحا له، فقال: لله درّ أبيات تجيء بها! ما أحكم أصولها، وأحسن فصولها، وأقلّ فضولها! فقال إسحق: هذا الكلام أحسن من شعري.
كان الحسن اللؤلؤي يختلف إلى المأمون، يلقى عليه الفرائض، فدخل عليه ليلة وقد صلّى العشاء الآخرة، فجعل يلقي عليه، ونعس المأمون فأطبق جفنة فقال الحسن: أنمت أيها الأمير؟ ففتح عينيه وهو إذ ذاك صبيّ فقال:
عامّي والله لم يغذّ بالأدب، خذوا بيده ولا تعيدوه إليّ.
فبلغ ذلك الرشيد فتمثل بقول زهير [1] : [الطويل]
وهل ينبت الخطيّ إلا وشيجه ... وتغرس إلّا في منابتها النّخل
وقال لحاجبه: احجب عني من إذا قعد أطال، وإذا سأل أحال، ولا تستخفّنّ بذي حرمة، وقدّم أبناء الدعوة.
وصعد يوما المنبر وقد شغب الجند، ثم سكنوا بعد إيقاع بهم، فقال:
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على ملائكته المقرّبين، والأنبياء أجمعين.
أما بعد فقد كان لكم ذنب، وكان لنا عتب، وكان منكم اصطلام، وكان منّا انتقام، وعندي بعد هذا التنفيس عن المكروبين، والتفريج عن المغمومين، والإحسان إلى المحسنين، والتغمد لإساءة المسيئين، وألّا يكفر لكم بلاء، ولا يحبس عنكم عطاء، وعليّ بذلك الوفاء إن شاء الله. ثم نزل.
قال سعيد بن سلم: كان فهم الرشيد فهم العلماء. أنشده العماني في صفة فرس [2] : [الرجز]
كأنّ أذنيه إذا تشوّفا ... قادمة أو قلما محرّفا
فقال الرشيد: دع كأنّ، وقل: تخال أذنيه حتى يستوي الشعر.
(1) البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 115، وشرح التصريح 1/ 282، والمقاصد النحوية 2/ 482، وبلا نسبة في أوضح المسالك 2/ 123، وتذكرة النحاة ص 334، ولسان العرب (خطط) .
(2) الرجز لمحمد بن ذؤيب في خزانة الأدب 10/ 237، والدرر 2/ 168، وللعماني في سمط اللآلي ص 876، وشرح شواهد المغني ص 515، وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص 173، والخصائص 2/ 430، ولسان العرب (حرف) .